علي الحاج
لم يكن اختيار روضة الشهداء في النجف الاشرف مكاناً للاحتفاء بـ "يوم السيادة" مجرد تفصيل في المناسبة، فالحديث عن خروج اخر القوات الاجنبية من العراق، من مكان يحتضن شهداء قدموا ارواحهم في مراحل الدفاع عن الوطن، يمنح المناسبة معنى يتجاوز الاحتفال الى استذكار الطريق الذي قطعه العراق حتى وصل إلى هذه اللحظة.
وفي كلمته بالمناسبة، وضع سماحة الشيخ قيس الخزعلي جملة من العناوين التي ترسم، وفق رؤيته، ملامح المرحلة التي ينبغي ان تلي خروج القوات الأجنبية، فاكتمال الانسحاب في 30 أيلول 2026 ينهي مرحلة من الوجود العسكري الاجنبي، لكنه في الوقت نفسه يفتح مرحلة جديدة يتحمل فيها العراقيون مسؤولية اكبر في تثبيت سيادتهم وبناء دولتهم.
اولى هذه الرسائل ان السيادة لا ينبغي ان تتوقف عند خروج القوات الاجنبية، بل يجب ان تنتقل إلى السيادة الاقتصادية، بحيث يمتلك العراق قراره في التصرف بثرواته ووارداته، ويستطيع تحويل استقلاله السياسي والامني الى قدرة حقيقية على ادارة موارده وتحقيق مصالح شعبه، وهو محور اكده بكلمته في النجف الأشرف.
وفي الملف الامني، اعاد سماحة الامين التأكيد على ضرورة استكمال تشريع قانون الحشد الشعبي، بما يضمن بناءه بصورة عسكرية وامنية صحيحة، ويحفظ حقوق ابنائه وتضحياتهم، ويجعله جزءاً واضحاً من المنظومة الرسمية مرتبطاً بالقائد العام للقوات المسلحة، بعيداً عن التجاذبات والعناوين السياسية.
وهذا يقود الى عنوان اوسع هو بناء الدولة ومعالجة ملف السلاح، فمرحلة ما بعد خروج القوات الأجنبية، وفق ما تضمنته الرسائل التي طرحت في المناسبة، تحتاج إلى دولة تمتلك قرارها، وتكون المؤسسات الدستورية فيها صاحبة قرار الحرب والسلم، وتكون القوات العراقية قادرة على حماية الأرض والسماء ومنع استخدام الأراضي العراقية منطلقاً للاعتداء على دول الجوار.
اما داخلياً، فقد حضرت في الكلمة قضية الوحدة الوطنية والعقد الاجتماعي الجديد، من خلال الدعوة الى تجاوز الخطاب الطائفي، ومنع اعادته إلى الحياة السياسية، والانتقال الى الحوار والتفاهم بين القوى والمكونات، انطلاقاً من ان العراقيين يجمعهم وطن وتاريخ ومصالح مشتركة، وان الاستقرار الدائم لا يُبنى بالاستقطاب، وانما بالشراكة والشعور المتساوي بالامن والانتماء.
كما ان السيادة، في هذا التصور، لا تنفصل عن حياة المواطن، ولهذا يأتي التوزيع العادل للثروة والخدمات والحقوق جزءاً من استكمالها، فالاستقلال لا يحقق غايته اذا بقي المواطن بعيداً عن ثمار وطنه، واذا لم تتحول موارد الدولة إلى تنمية وخدمات وفرص وحياة كريمة.
ولم تقتصر الرسائل على الداخل، بل امتدت إلى الجوار، برسالة وفاء الى الجمهورية الاسلامية الايرانية على مواقفها خلال سنوات المواجهة، ورسالة إلى تركيا بان تطوير المصالح المشتركة يرتبط بانهاء وجود قواتها داخل الأراضي العراقية، ورسالة الى دول الخليج العربي لفتح صفحة جديدة من العلاقات تقوم على السيادة والمصالح المشتركة وعدم التدخل.
وهكذا يصبح "يوم السيادة" في مضمونه ابعد من مناسبة للاحتفال بخروج اخر القوات الأجنبية، انه انتقال من مطلب إخراج القوات الى سؤال اكبر: ماذا سيفعل العراقيون بسيادتهم؟
فالمرحلة المقبلة، كما يمكن استخلاصها من كلمة روضة الشهداء، عنوانها ان تكتمل السيادة العسكرية بسيادة اقتصادية، وان تحمى بقوات وطنية ومؤسسات قوية، وان يحفظ الحشد ضمن الدولة، وان يكون قرار الحرب والسلم عراقياً، وأن تغلق أبواب الطائفية، وان يبدأ حوار وطني جديد، وان تبنى علاقات العراق الخارجية على قاعدة واضحة، العراق سيد قراره، منفتح على جواره، لا يعتدي على احد ولا يسمح لاحد بالاعتداء على سيادته.
وبذلك لا يكون الثلاثون من ايلول نهاية مرحلة فحسب، بل بداية استحقاق جديد، عنوانه تحويل تضحيات الشهداء وخروج القوات الاجنبية إلى دولة مكتملة السيادة، قوية بمؤسساتها، موحدة بشعبها، ومستقلة بقرارها.
