الشيخ اكرم كامل الخفاجي ||
الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
أعذرني يا سيدي إن تأخرتُ في الكتابة عنك ، ففيك تفيض المحابر شوقاً .. وأين أنا وما
خطري أمام معجزة الدنيا الخالدة ومفخرة الإنسانية الباقية ؟
والحقيقة فإن نصيبي في الكتابة عن الإمام الصادق (ع) هو أن أظلّ دائماً في تلك المسافة الموجودة بين معاني المعجزة فيه ، وبين مباني المفخرة به .. وقطعاً أن وجودي في تلك المسافة إنما لأني أحسب نفسي حلقة من حلقات السلسلة الشيعية التي ترتبط بأصالة الوحي المحمدي ، وصولاً إلى النهج الأمين للصراط العلوي المستقيم .
والحمد لله الذي أفاض علينا من فرط إحسان الإمام الصادق (ع) لنا ، ما يشعرنا أن الله يُحبنا ، ومن يُحبّهُ الله فإنه في الجنة يقيناً بشفاعته .
لقد فتق الإمام الصادق (ع) العلوم بفكره الثاقب وبصره الدقيق ، حتَّى ملأ الدنيا بعلومه ، وهو القائل : (سلوني قبل أن تفقدوني فإنه لا يحدثكم أحد بعدي بمثل حديثي) ، ولم يقل أحد هذه الكلمة سوى جده الإمام أمير المؤمنين علي (ع) .
وأدلى (ع) بحديث أعرب فيه عن سعة علومه فقال : (والله إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفي ..)
واليوم اذ نستذكر شهادته ، فحري بنا السير على نهجه والتخلق بخلقه الذي مثّل خلق جده رسول الله (ص) والموصوف في القرآن الكريم (وانك لعلى خلق عظيم) .
عاش الإمام الصادق (ع) كأبيه الباقر (ع) في حقبة من الزمن كان الصراع على أشده بين الحكام الأمويين والعباسيين وخصومهم ، فانشغال الحكام بالحكم ، واستغراق ارباب السلطة وطلابها جعلهم ينصرفون عن التعرض للمؤمنين ، فاستغل الإمام الصادق (ع) هذه الفرصة ، ونشر أحكام الدين وعلوم أهل البيت ، في ظل تخفيف الضغط والتضييق على الموالين لآل البيت ، وصار الشيعة وأئمتهم في ذلك العهد أحسن حالاً من ذي قبل ، وقلّ الخوف والتقية بينهم ، ولذا ترى أن معظم أحكام الرسول وأخبار الشيعة ، مروية على لسان الإمامين المعصومين محمد بن علي الباقر وجعفر بن محمد الصادق (ع) اللذين عاصرا حقبة الصراع السياسي والعسكري هذه .
هو الإمام السادس من أئمة الشيعة الأثني عشر والمعصوم المحيي من الدين كل طامسٍ ، وكاشف الحقائق ، وباهر الخلائق .
ولقب الإمام جعفر (ع) بالصادق ، لإنطباق صفة الصدق عليه .
عاش (ع) خمساً وستين سنة على المشهور ، أقام مع جده الإمام زين العابدين (ع) أثنتي عشر سنة ، وبعده مع والده الإمام محمد الباقر (ع) تسع عشر سنة ، وبعده في إمامته أربعاً وثلاثين سنة .
عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيِّ قَالَ: «نَظَرَ أَبُو جَعْفَرٍ الباقر (ع) إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصادق (ع) يَمْشِي ، فَقَالَ : تَرَى هَذَا ؟ هَذَا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عز وجل فيهم ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ .
فعن الصادق (ع) في كلمة يصادق فيها عَلويته إن في المبنى أو في المعنى : ولايتي لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أحبّ إلّي من ولادتي منه ، لأنّ ولايتي لعليّ بن أبي طالب فرض ، وولادتي منه فضل .
وصية الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) إلى ولده موسى الكاظم (ع)
(يا بني : اقبل وصيتي ، واحفظ مقالتي ، فإنك إن حفظتها تعش سعيداً ، وتمت حميداً .
يا بني : إنه من رضي بما قسم له استغنى ، ومن مد عينه إلى ما في يد غيره مات فقيراً ، ومن لم يرض بما قسم الله عز وجل اتهم الله في قضائه ، ومن استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره ، ومن استصغر زلة غيره استعظم زلة نفسه .
يا بني من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته ، ومن سل سيف البغي قتل به ، ومن احتفر لأخيه بئراً سقط فيها ، ومن داخل السفهاء حقّر ، ومن خالط العلماء وقّر ، ومن دخل مداخل السوء اتهم .
يا بني : اياك ان تزري بالرجال فيزرى بك ، واياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك .
يا بني : قل الحق لك أو عليك تستشان (أي يكون لك شأن ومنزلة) من بين أقرانك .
يا بني : كن لكتاب الله تالياً ، وللسلام فاشياً ، وبالمعروف آمراً ، وعن المنكر ناهياً ، ولمن قطعك واصلاً ، ولمن سكت عنك مبتدئاً ، ولمن سألك معطياً وإياك والنميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال ، واياك والتعرض لعيوب الناس ، فمنزلة المتعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف .
يا بني : إذا طلبت الجود فعليك بمعادنه ، فإن للجود معادن ، وللمعادن أصولاً ، وللأصول فروعاً ، وللفروع ثمراً ، ولا يطيب ثمر إلا بفرع ، ولا فرع إلا بأصل ، ولا أصل ثابت إلا بمعدن طيب .
يا بني : إذا زرت فزر الأخيار ولا تزر الفجار ، فإنهم صخرة لا ينفجر ماؤها ، وشجرة لا يخضر ورقها وارض لا يظهر عشبها) .
قال علي بن موسى : فما ترك أبي هذه الوصية إلى أن مات .
وهذه بعض أحاديث الامام الصادق (ع) دونتها هنا .. ورأيتُ فيها خلاصي .
عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال : قال رسول الله (ص) : من أحبنا أهل البيت فليحمد الله على أول النعم . قيل : وما أول النعم ؟ قال : طيب الولادة ، ولا يحبنا إلا من طابت ولادته .
عن الصادق (ع) : من أنعم الله عليه نعمة فعرفها بقلبه وعَلِمَ أن المُنعم عليه الله فقد أدى شكرها ، وإن لم يحرك لسانه ، ومن علم أن المعاقب على الذنوب الله فقد استغفر ، وإن لم يحرك به لسانه ، وقرأ : “إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه” .
عن الامام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالی : «ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم» في آخر سورة التكاثر .. قال (ع) : «إن الله اكرم من ان يطعم طعاماً فيسألكم عنه ، ولكنكم مسؤولون عن نعمة الله عليكم بنا هل عرفتموها وقمتم بحقها» .
عن سدير الصيرفي قال : قلت لأبي عبد الله الصادق (ع) جعلت فداك يا بن رسول الله هل يُكره المؤمن على قبض روحه ؟
قال : لا والله ، انه اذا اتاه ملك الموت لقبض روحه جزع عند ذلك فيقول له ملك الموت : يا ولي الله لا تجزع فوالذي بعث محمد (ص) لأنا أبرُّ بك وأشفق عليك من والد رحيم لو حضرك .
افتح عينيك فانظر ، قال : ويمتثل له رسول الله (ص) وامير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم (ع) فيقال له : هذا رسول الله وامير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسن والحسين والأئمة رفقاؤك ، قال : فيفتح عينيه فينظر فينادي روحه مناد من قبل رب العزة فيقول : يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، إِلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً بِالْوَلاَيَةِ مَرْضِيَّةً بِالثَّوَابِ فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي يَعْنِي مُحَمَّداً وَأَهْلَ بَيْتِهِ وَادْخُلِي جَنَّتِي ، فَمَا شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنِ اسْتِلاَلِ رُوحِهِ وَاللُّحُوقِ بِالْمُنَادِي .
وجاءت نصوص الصادق (ع) توضح خصائص ورغبات الصلاة على النبي الاعظم (ص) ، بأسلوب شيق جذاب .
فمن ذلك ما جاء عن ابن أبي حمزة عن أبيه ، قال : سألت أبا عبد الله (ع) عن قول الله عزوجل : «إن الله وملائكته يصلون على النبي ، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً» . فقال : الصلاة من الله عزوجل رحمة ، ومن الملائكة تزكية ، ومن الناس دعاء . وأما قوله عزوجل : «وسلموا تسليماً» ، فإنه يعني بالتسليم له فيما ورد عنه . قال : فقلت له : فكيف نصلي على محمد وآله ؟
قال : تقولون : «صلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد ، والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته» .
قال : فقلت فما ثواب من صلى على النبي وآله بهذه الصلاة ؟
قال : الخروج من الذنوب ، والله كهيئة يوم ولدته أمه .
قيل للصادق (ع) : إنّ عمّاراً الدهني – عمّار بن خباب البجلي الدهني : أبو معاویة ، من أصحاب الصادق (ع) – ، شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة ، فقال له القاضي : قم يا عمّار ، فقد عرفناك لا تُقبل شهادتك ؛ لأنّك رافضي ، فقام عمّار وقد ارتعدت فرائصه واستفرغه البكاء ، فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث ، إن كان يسوءك أن يقال لك رافضيّ فتبرّأ من الرفض ، فأنت من إخواننا .
فقال له عمّار : يا هذا ، ما ذهبت – والله – حيث ذهبت ، ولكن بكيت عليك وعليّ . أمّا بكائي على نفسي ، فإنّك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها ، زعمت أنّي رافضيّ ، ويحك ، لقد حدّثني الصادق (عليه السلام) أنّ أوّل من سمّي الرفضة السحرة الذين لمّا شاهدوا آية موسى (عليه السلام) في عصاه آمنوا به واتّبعوه ، ورفضوا أمر فرعون ، واستسلموا لكلّ ما نزل بهم ، فسمّاهم فرعون الرافضة لمّا رفضوا دينه ، فالرافضي كلّ من رفض جميع ما كره الله ، وفعل كلّ ما أمره الله ، فأين في هذا الزمان مثل هذا ؟
وإنّما بكيت على نفسي ، خشيت أن يطّلع الله عزّ وجلّ على قلبي ، وقد تلقّبت هذا الاسم الشريف على نفسي ، فيعاتبني ربّي عزّ وجلّ ويقول : يا عمّار ، أكنت رافضاً للأباطيل ، عاملاً بالطاعات كما قال لك ؟ فيكون ذلك بي مقصّراً في الدرجات إن سامحني ، وموجباً لشديد العقاب عليّ إن ناقشني ، إلّا أن يتداركني مواليّ بشفاعتهم ، وأمّا بكائي عليك فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي ، وشفقتي الشديدة عليك من عذاب الله أن صرفت أشرف الأسماء إليّ ، وإن جعلته من أرذلها ، كيف يصبر بدنك على عذاب كلمتك هذه ؟
فقال الصادق (عليه السلام) : لو أنّ على عمّار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات والأرضين ، لمحيت عنه بهذه الكلمات ، وإنّها لتزيد في حسناته عند ربّه عزّ وجلّ حتّى يجعل كلّ خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرّة .
لقد كان الإمام الصادق (ع) شَجاً يعترض في حلق الطاغية الدوانيقي (ابو جعفر المنصور)، فقد ضاق ذرعا منه لنصبه وعدائه لـ (أهل بيت العصمة) .
فقد حكى لصديقه وصاحب سرّه محمد بن عبد الله الاسكندري يقول : «دخلت على المنصور فرأيته مغتمّاً ، فقلت له : ما هذه الفكرة ؟
فقال المنصور الدوانيقي : يا محمد ، لقد قتلتُ من أولاد فاطمة مقدار مائة ويزيدون وبقي سيّدهم وإمامهم .
فقال محمد : من ذاك ؟
فقال المنصور الدوانيقي : جعفر بن محمد الصادق .
فحاول محمد أن يصرفه عنه ، فقال له : إنّه رجل أنحلته العبادة ، واشتغل بالله عن طلب الملك والخلافة .
ولم يرتضِ المنصور مقالته فردّ عليه : يا محمد ، قد علمت أنّك تقول به ، وبإمامته ، ولكن الملك عقيم» .
اللهُمَّ صَلِّ عَلى جَعفَرِ بنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ خازِنِ العِلمِ الدَّاعي إلَيكَ بِالحَقِّ النُّورِ المُبِينِ، اللهُمَّ وَكَما جَعَلتَهُ مَعدِنَ كَلامِكَ وَوَحيِكَ وَخازِنَ عِلمِكَ وَلِسانَ تَوحِيدِكَ وَوَلِيَّ أمرِكَ وَمُستَحفِظَ دِينِكَ فَصَلِّ عَلَيهِ أفضَلَ ما صَلَّيتَ عَلى أحَدٍ مِن أصفيائِكَ وَحُجَجِكَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ .
اللهمّ أحينا على طاعة محمّد وآل محمّد ومعرفتهم ، وأمتنا على معرفتهم ومحبّتهم ، واحشرنا في زمرتهم ، وارزقنا شفاعتهم ، ووفّقنا لما وفّقتهم ، إنّك سميع مجيب .
