جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف كيف يحرّك "اللاهوت" تروس الحرب من غزة إلى طهران؟

كيف يحرّك "اللاهوت" تروس الحرب من غزة إلى طهران؟

حجم الخط

 


محمد العقيلي

في الوقت الذي تُقرأ فيه خرائط الحروب عادةً داخل غرف العمليات العسكرية، تشير القراءات العميقة للصراع الحالي الممتد من ركام غزة الجريحة إلى سماء طهران المقاومة، لكن الخرائط الحقيقية تُقرأ في بطون الكتب المقدسة.

لاننا لسنا أمام مجرد صراع سياسي على النفوذ، بل أمام مشهد استثنائي تهاجر فيه النصوص المقدسة من الرفوف إلى فوهات البنادق، لتحوّل الحرب من صراع يمكن إدارته بالتفاوض إلى صراع وجودي لا يعترف بالحدود.

عندما يلتقي القومي بالديني

تُظهر القراءة التحليلية للواقع الصهيوني، حيث تعيش الدولة أخطر مراحلها، وهي المرحلة التي يوصف فيها المشهد بـ "الكوكتيل القاتل"؛ حيث التقى اليمين القومي (المنحدر من جابوتنسكي) باليمين الصهيوني الديني. 

هذا الالتقاء حوّل العقيدة الأمنية إلى شحنة دينية ترى في، هدم المسجد الأقصى ضرورة لبناء الهيكل الثالث، وتعتبر الضفة الغربية "قلب "إسرائيل" التاريخي" الذي شهد 80% من الأحداث التوراتية، وهي في نظرهم أراضٍ "محررة" وليست محتلة.

في هذا السياق، يبرز دور بنيامين نتنياهو الذي، رغم عدم تدينه الشخصي الصارم، يتشبع بالرموز الدينية ويتقمص صورة "المشيح" (المخلص) أو "ملك إسرائيل".

إن استدعاء نتنياهو للنصوص الدينية ليس مجرد تبرير سياسي، بل هو أداة لتعبئة الذاكرة اليهودية المهووسة بكلمة "زاخور" (تذكر) ، وتحويل الخصم إلى "شر مطلق" يجب إبادته.

إيران في الذاكرة الصهيونية: بين "قورش" المنقذ و"هامان" الشرير

حيث تحتل إيران الاسلامية مكانة مزدوجة ومعقدة في المخيال الديني الصهيوني، فهناك "إيران المحبوبة" المتمثلة في قورش الأكبر، الملك الفارسي الذي سمح لليهود بالعودة إلى فلسطين ويُلقب في التوراة بـ "مسيح الرب" .

في المقابل، هناك "إيران" المرتبطة بشخصية "هامان" الذي سعى لإبادة اليهود، وقصة "استير" التي دبرت مكيدة للتخلص منه.

اليوم، تُصوّر التوجهات الاستراتيجية الرغبة في إنهاء "القوس الإسلامي" في تاريخ إيران لإعادتها إلى أصولها الفارسية "قورشية" الطابع، بينما يتم تصوير النظام الحالي في طهران كـ "نسخة حديثة من هامان" لشرعنة الحرب ضده.

ومن المثير للاهتمام أن الرؤساء الأمريكيين، مثل هاري ترومان ودونالد ترامب، قدموا أنفسهم كنسخ عصرية من "قورش الأكبر" عبر قرارات استراتيجية مثل الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

الصهيونية المسيحية: تحالف "المسيهودية" الجديدة

لا تقتصر الدوافع الدينية على الجانب اليهودي، بل تبرز الصهيونية المسيحية (الإنجيلية) في الولايات المتحدة كلاعب أساسي. 

هذا التيار انتقل من التفسير الرمزي للكتاب المقدس إلى التفسير الحرفي، مما جعل من "عودة اليهود إلى فلسطين" شرطاً ضرورياً للتعجيل بعودة المسيح.

هذا التحالف بين الصهيونيتين اليهودية والمسيحية يقوم على "مقايضة" براجماتية؛ فبينما ينتظر المسيحيون الإنجيليون نهاية الزمان وإبادة من لا يؤمن بالمسيح (بمن فيهم اليهود)، يقبل الصهاينة اليهود هذا الدعم المادي والعسكري، معتبرين أن القاسم المشترك الوحيد الآن هو التخلص من الوجود العربي والإسلامي في المنطقة وإزاحتهم من الجغرافيا والمستقبل.

نزع الإنسانية ومفهوم "عماليق

من أخطر تجليات "دينة" الحرب هو استخدام مفاهيم مثل "عماليق"؛ وهو مصطلح توراتي يشير إلى العدو الوجودي الذي يجب محو ذكره وإبادته تماماً. 

إن وصف الفلسطينيين بـ "العماليق" أو "الوحوش البشرية" يهدف إلى نزع الصفة الإنسانية عن العدو، مما يبرر ارتكاب الإبادة الجماعية دون ضوابط أخلاقية أو قانونية، وتحويل القتل إلى مسألة تقنية منزوعة الأخلاق.

نحو وعي عربي جديد: الفلسفة والحرية

أمام هذا المشروع الوجودي، تبرز الحاجة إلى إعادة بناء "المواطن العربي الحديث"، حيث إن المواجهة لا تكون بالنصوص القديمة فحسب، بل من خلال ثلاثة أسلحة أساسية .

1. الوعي التاريخي: بناء ذاكرة جماعية صلبة تتجاوز التشظي العرقي والطائفي.

2. الوعي النقدي: اعتماد الفلسفة كـ "مضاد حيوي" للفكر الخرافي والمنغلق.

3.العدل والحرية: فلا يمكن مواجهة مشروع مدعوم بالتقنية والعلم بمواطن يفتقر إلى قيم العدالة والحرية.

إن (إسرائيل)، رغم قوتها الحالية، قد تكون في طور من التقهقر على المدى الزمني البعيد، لأن المنطقة بحكم تكوينها الجيني والتاريخي لا يمكن أن تقبل وجود هذا الكيان بشكل دائم.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال