رياض الفرطوسي ||
كنا نُربَّى على الخوف من الخطأ كما لو كان وصمة عار. في دفاتر المدرسة كان الخط الأحمر أشبه بمحكمة صغيرة: حكمٌ بالإدانة، ولا استئناف.
تعلّمنا مبكراً أن الكتابة الجيدة هي تلك التي تمرّ بلا خدوش، بلا ارتباك، بلا تلعثم. أن تكون الجملة مستقيمة كجندي في عرض عسكري.
لكن ما إن نكبر قليلًا، ونجرّب الكتابة خارج أسوار الصف، حتى تتداعى هذه القناعة كما يتداعى بيت من كرتون.
نكتب، ثم نعود لما كتبناه، فنراه غريباً عنا. نعدّل، نمحو، نضيف، ثم نكتشف أن النص لا يكتمل بل يتفلّت.
كل قراءة تفتح ثغرة جديدة، وكل مراجعة تكشف خطأ لم يكن في الحسبان. عندها فقط نفهم: الخطأ لم يكن طارئاً، بل كان مقيماً منذ البداية.
الكتابة ليست نقل فكرة جاهزة من الرأس إلى الورق. لو كانت كذلك، لكفتنا آلة. الكتابة فعل تفكير حيّ، والتفكير بطبيعته يتعثّر. الفكرة تولد ناقصة، والجملة تأتي عرجاء، والمعنى يتردد قبل أن يستقر. هنا يتدخل الخطأ، لا ليُفسد النص، بل ليشكّله.
إنه العلامة التي تقول إن العقل كان يعمل، وإن الخيال شرد قليلًا، وإن اللغة لم تُطع صاحبها طاعة عمياء.
النص الخالي من الأخطاء يشبه وجهًا بلا تجاعيد: جميل، نعم، لكنه بلا تاريخ. أما الأخطاء الصغيرة، تلك التي تُصحَّح أو حتى تُترك عمداً، فهي آثار المعركة بين الكاتب واللغة. اللغة عنيدة، والكاتب أحياناً أضعف منها، وأحياناً أكثر مكراً. وبين هذا وذاك يولد النص.
لهذا يراجع الكاتب نصه مراراً، لا لأنه يطمح إلى الكمال، بل لأنه يعرف استحالته. كل مراجعة ليست محاولة لإنهاء النص، بل لإبقائه حيّاً أطول وقت ممكن. الخطأ هنا يتحول من عيب إلى أداة كشف، ومن فشل إلى دليل صدق.
الكتابة التي لا تخطئ لا تفاجئ. لا تجرح ولا تهز ولا تترك أثراً. هي كتابة مهذبة أكثر مما ينبغي، حذرة إلى حد الملل. أما النص الذي مرّ عبر الخطأ، فقد تعلّم شيئاً عن نفسه. صار أعمق، أكثر تواضعاً، وأكثر إنسانية.
لهذا، لا تخف من الخطأ وأنت تكتب. خف فقط من النص الذي لا يغامر، ولا يتلعثم، ولا يتردد. فهناك، في تلك العثرة الصغيرة، تبدأ الكتابة الحقيقية.
