جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 


أمين السكافي ||

القدس ليست مدينة تُسكن، بل مدينة تسكنك. إذا دخلتها مرة، خرجت منها وأنت محمول فيك، كجرحٍ مضيء أو صلاةٍ لم تكتمل. هي ليست حجارةً مرصوصة على تلال، بل معنىً تجسّد، وروحٌ لبست جسد مدينة. شوارعها لا تُقاس بالأمتار، بل بالذاكرة، وأزقتها ليست طرقًا ضيقة، بل مسارب بين الأرض والسماء.

في القدس، الحجارة تتكلم. كل حجرٍ شاهد، كل بابٍ وصية، وكل نافذة عينٌ تطل على تاريخٍ لم ينم. الأبنية هناك لا ترتفع طلبًا للعلو، بل تواضعًا للسماء، كأنها تعلم أن فوقها مملكة أسبق وأبقى. تمشي في شوارعها فتشعر أن خطاك ليست وحدها، ثمة أقدام أنبياء مرّت هنا، ودموع صالحين سقطت على هذه الأرض فأنبتت قداسة.

أزقة القدس ضيقة لأنها لا تتسع إلا للحقيقة. لا مكان فيها للزيف، ولا متسع فيها للكذب الطويل. تتلوى الأزقة كأنها تسأل السائر: من أنت؟ ولماذا جئت؟ فمن جاء غازيًا تاه، ومن جاء محبًا اهتدى. هناك، الظل ليس غياب النور، بل ذاكرته، والنور ليس ضوء الشمس فقط، بل أثر الدعاء المتراكم عبر القرون.

في قلب المدينة، يقف المسجد الأقصى كقلبٍ نابض، لا يتوقف عن الذكر. قبابه ليست زينة معمارية، بل أصداف تحفظ أسرار السماء. هو نقطة التقاء الأرض بالمعراج، المكان الذي تعلمت فيه الروح كيف تصعد دون أن تغادر جسدها. وحوله، الكنائس تقرع أجراسها لا لتنافس الأذان، بل لتكمله. فهنا، الله واحد وإن اختلفت طرق النداء إليه، والسماء تسمع الجميع.

ناس القدس ليسوا سكانًا، بل حرّاس معنى. وجوههم تشبه مدينتهم: متعبة، صلبة، ومضيئة من الداخل. يحملون مفاتيح بيوتٍ قد تُغلق، لكن لا تُنسى. يمشون ببطء لأن الزمن في القدس لا يركض، ولأن الذاكرة ثقيلة. أطفالهم يولدون وهم يعرفون الفرق بين الوطن والاحتلال، بين الأرض والسرقة، بين الاسم الحقيقي والأسماء المزورة.

تعرضت القدس للخطف، لا كمدينة، بل كهوية. سرقها قراصنة الأوطان، أولئك الذين لا يعرفون معنى الجذور، فظنوا أن التاريخ يُمحى بالجرافات، وأن القداسة تُزوَّر بالخرائط. لكنهم لم يفهموا أن القدس لا تُحتل، لأنها ليست قطعة أرض فقط، بل عهدٌ إلهي، وأن من يسرقها إنما يسرق ظله، ويبقى عاريًا أمام الحقيقة.

أما سماء القدس، فليست كسائر السماوات. فوقها هالة مقدسة، كأن الدعاء المتراكم صنع غلافًا من نور. تشعر أن السماء أقرب، وأن المسافة بين السؤال والجواب أقصر. هنا، الاتصال بالسماء ليس خيالًا صوفيًا، بل واقعًا يوميًا: في سجدة، في دمعة، في صبر أم، وفي عناد مدينة ترفض أن تموت.

القدس مملكة السماء على الأرض، ليست لأنها كاملة، بل لأنها مجروحة وتحب. وكل ما يُحب بصدق، يصير سماويًا


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال