عماد الشيباني
لطالما كانت العلاقة بين القيادة الدينية والعمل السياسي في العراق علاقة جدلية وعميقة، لكن الثابت تاريخياً هو أن الشخصيات التي تركت أثراً خالداً هي تلك التي استطاعت العبور بذكاء من ضيق الأطر الحزبية إلى رحابة "الأبوة الوطنية". واليوم، ونحن نعيش مناخ الاستقرار المؤسساتي في مطلع عام 2026، تبرز ضرورة قراءة التحولات الجوهرية في خطاب الشيخ قيس الخزعلي، ليس بوصفها متغيرات سياسية عابرة، بل كمشروع لنوع جديد من "الشرعية الشعبية" التي تجمع بين الأصالة الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة.
إن المتتبع لمواقف الشيخ الخزعلي الأخيرة يلحظ بوضوح جنوحاً واعياً نحو "عقلنة الخطاب" والتركيز على مفاهيم السيادة وهيبة القانون، وهذا التحول يفتح الباب أمام فرصة تاريخية لتحويل القاعدة الجماهيرية العريضة من مجرد مؤيدين سياسيين إلى مشروع "وعي مجتمعي" شامل. فبناء قبول شعبي بصبغة دينية وطنية يتطلب بالدرجة الأولى استعادة الدور الإرشادي العميق، حيث يبحث الجمهور اليوم عن "رمز روحي" يمنحه القيم والطمأنينة قبل الوعود السياسية، وهنا يبرز دور تعزيز الحضور العلمي والحوزوي للشيخ في القضايا الاجتماعية الكبرى، كحماية الأسرة والهوية، لبناء علاقة وجدانية مع الناس تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
وفي ذات السياق، فإن القبول الحقيقي والمستدام يُصنع في ميادين الخدمة العامة والبناء، فعندما تتحول المؤسسات المرتبطة بالشيخ إلى حواضن للتنمية البشرية والعمل التطوعي الذي يمس حياة الشباب وتطلعاتهم، تترسخ آنذاك "الشرعية الأخلاقية" التي تجعل من القائد قدوة وملاذاً. هذا المسار يكتمل بالضرورة بتبني خطاب الدولة الجامع، حيث يتم استثمار القوة والتأثير في تمتين وشائج الوحدة الوطنية ودعم ركائز الاستقرار، مما يعزز صورة الشيخ كـ "رجل دولة بعباءة دينية"؛ وهو النموذج الذي باتت الطبقات الوسطى والنخب المثقفة تتطلع إليه كصمام أمان لمستقبل البلاد.
في الختام، إن المرحلة الحالية في العراق تتطلب قيادات تمتلك الرؤية والشجاعة للانتقال من مرحلة "إدارة الصراعات" إلى مرحلة "صناعة الاستقرار القيمي"، والشيخ الخزعلي بما يمتلكه من إرث مدرسة الشهيد الصدر وتجربة سياسية نضجت في أعقد الظروف، يمتلك اليوم القدرة على تقديم نموذج الزعامة الذي يزاوج ببراعة بين حكمة الحوزة وطموح الدولة، ليكون مظلة وطنية يستظل بها جميع العراقيين بمختلف انتماءاتهم.
