جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف الإنسانُ والآخرُ والدُّعاءُ..!

الإنسانُ والآخرُ والدُّعاءُ..!

حجم الخط

 


د. أمل الأسدي ||


لقد وردتْ في أصلِ مفردةِ (الإنسان) آراءٌ عديدةٌ، منها: إنّها مشتقّةٌ من الأنسِ، والاستئناسِ، والمخلوقِ الذي يستأنسُ بالآخرِ، وينفرُ من الوحشةِ والوحدةِ، أو المأنوسِ الذي يُؤنَسُ بهِ. وقيلَ: إنّ أصلَ الكلمةِ من الظهورِ والقُربِ، آنستُهُ: أبصرتُهُ، وهو بذلكَ يُقابلُ (الجنَّ). وقيلَ أيضاً: إنّ مفردةَ (إنسان) مشتقّةٌ من النسيانِ بناءً على قولِهِ تعالى:

((وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا))

سورةُ طهَ، الآيةُ (١١٥).

وفي كلِّ الأحوالِ فالإنسانُ كائنٌ حيٌّ، روحٌ وجسدٌ، وعقلٌ وقلبٌ، كائنٌ فضَّلَهُ اللهُ تعالى على سائرِ المخلوقاتِ، وجعلَهُ يمتلكُ صفاتٍ ومواهبَ وملكةً فطريّةً، رسمت دورَه التفاعليّ في الحياةِ، وانبثقتْ على أساسِها الواجباتُ والحقوقُ.

فالإنسانُ كائنٌ اجتماعيٌّ مجبولٌ على التواصلِ مع الآخرِ، والتعارفِ عليهِ، وإقامةِ العلاقاتِ الإنسانيّةِ المختلفةِ، فقد قالَ تعالى:

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ))

سورةُ الحجراتِ، الآيةُ (١٣).

إذن؛ التواصلُ لازمةٌ من لوازمِ وجودِهِ في الحياةِ، ولو أخذنا بنظرِ الاعتبارِ الآراءَ التي يعودُ إليها أصلُ مفردةِ (الإنسان) سنجدُ حضورَها كلَّها في طبيعتِهِ وسلوكِهِ وتعاملِهِ؛ فهو الذي يميلُ، ويحبُّ، ويعشقُ، ويتعاطفُ، ويتعلّقُ، ويحزنُ ويجزعُ على فراقِ من يُحبُّ، وهو الذي ينسى ويغفرُ ويصفحُ ويتكيّفُ مع البيئةِ والمكانِ والناسِ، فلا يعيشُ من دونِ ذاكرةٍ مليئةٍ بالحكاياتِ والأحداثِ، وفي الوقتِ ذاتهِ لا يُسلِّمُ لهذه الذكرياتِ، فيمضي ويستمرُّ ويتطلّعُ ليومٍ قادمٍ، وهذا ما أدامَ عجلةَ الحياةِ علی الرغم من المكابدةِ، وعلی الرغم من الانحرافاتِ التي تخلقُها الماكنةُ الشيطانيّةُ أو الخطُّ الشيطانيُّ الذي نصبَ نفسَهُ عدوًّا لبني آدمَ، وأخذَ على عاتقِهِ دورَ الإيقاعِ بهم وغوايتِهِم.

إنّ الإنسانَ يبحثُ عن الألفةِ والحميميّةِ مع الآخرِ، وتحتَ أيِّ مظهرٍ من مظاهرِ العلاقاتِ الاجتماعيّةِ والأسريّةِ، فتأنسُ الأمُّ بتقبيلِ ابنِها، ويسكنُ الابنُ في حضنِ أمِّهِ، ويشتدُّ عودُ الرجلِ بساعدِ أخيهِ، ونستأنسُ بالسلامِ والمصافحةِ… إلخ. وهذه الأفعالُ من شأنِها أن تخلقَ الدفءَ الحياتيَّ الذي يحتاجُهُ الفردُ ليستمرَّ.

وهذا الدفءُ لا يقتصرُ على هذه الأفعالِ وحسبُ؛ بل ينسحبُ إلى تعلّقِ الإنسانِ بالمكانِ والزمانِ والمخلوقاتِ الأخرى، فنحنُ جميعا نتعلّقُ ببعضِ اللقاءاتِ والأماكنِ، ويكونُ هذا التعلّقُ تبعًا لأهميّةِ الشخصِ ومنزلتِهِ لدينا؛ بل ونتعلّقُ حتى بالأشياءِ الجامدةِ، ونشعرُ بألفةٍ تجاهَها، وأحيانًا نلجأُ إلى الاحتفاظِ ببعضِ الأوراقِ، وبعضِ الأغلفةِ، وبعضِ البطاقاتِ، وبعضِ الصورِ، أو نحتفظُ بملبسٍ معيّنٍ (بعطرِهِ وغبارِهِ وفرحِهِ) لأنّهُ مرتبطٌ بلقاءِ عزيزٍ لدينا، وكلّما عدنا إلى هذه الأشياءِ المحفوظةِ غمرتنا المشاعرُ الإيجابيّةُ، وتعدّلَ مزاجُنا، وامتلأنا نشاطاً ورغبةً.

وبالاتّجاهِ المعاكسِ نحاولُ أحيانا التخلّصَ من كلِّ شيءٍ يذكّرُنا بموقفٍ سلبيٍّ مؤذٍ، نحاولُ أن نشطبَ تاريخَهُ، ونزيلَ صورَهُ، ونرحِّلَ كلَّ الوجوهِ المرتبطةِ بهذا الموقفِ أو هذا اللقاءِ. والأصعبُ بين هذينِ الأمرينِ أن يكونَ الموقفانِ متعلّقينِ بشخصٍ واحدٍ، شخصٍ لهُ مكانةٌ خاصّةٌ لدينا، ولهُ حظوةٌ قلبيّةٌ فريدةٌ، حينها نحاولُ أن ننسفَ كلَّ ما يتعلّقُ بالموقفِ السلبيِّ (التاريخَ، الوجوهَ، الصورَ، الحدثَ، الأسماءَ، الملبسَ… إلخ)، ونبعِّدَها تمامًا، ونستدعيَ الموقفَ الإيجابيَّ، ونستحضرَ اللقاءَ الأخضرَ.

وهذا النُّبلُ منهجٌ قرآنيٌّ أوصانا بهِ اللهُ تعالى حين قالَ:

((…وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ…))

وقد اشتهرَ بينَ الناسِ قولُ: واذكروا محاسنَ موتاكم! فلماذا لا نذكرُ محاسنَ الأحياءِ؟! وهل يوجدُ أجملُ من إشاعةِ المحبّةِ في حياتِنا ومنازلِنا وبينَ عوائلِنا وأصدقائِنا ومعارفِنا؟

والأجملُ من هذا كلِّهِ أن تكظمَ غيظَكَ وتحفظَ سرَّكَ، فتتألّمَ وتحاورَ نفسَكَ، وتردَّ وتتصرّفَ وتعالجَ، وتحوِّلَ المواقفَ كلَّها من علاقةٍ أفقيّةٍ (بينك وبين البشر) إلى علاقةٍ عموديّةٍ (بينكَ وبينَ اللهِ تعالى)، فلا يمكنُ للعلاقاتِ الإنسانيّةِ – بغضِّ النظرِ عن ديانةِ الإنسانِ وعقيدتِهِ – أن تكونَ أفقيّةً مسرحُها الواقعُ الأرضيُّ المادّيُّ وحسبُ، بل لا بدَّ من عودةِ سهمِ العلاقةِ وخطِّها إلى السماءِ.

نعني بذلكَ أنّ وجودَ الإنسانِ بمنظومتِهِ الفكريّةِ والعاطفيّةِ وتركيبتِهِ الجسروحيّةِ بدأَ بخطٍّ عموديٍّ من الأعلى (السماءِ) إلى الأدنى (الأرضِ)، وعلى الرغمِ من كثرةِ الأسهمِ والخطوطِ الأفقيّةِ التي تمثّلُ علاقةَ الإنسانِ بأخيهِ الآخرِ، إلّا أنّ التحوّلاتِ من الخطوطِ الأفقيّةِ إلى الخطوطِ العموديّةِ (من الإنسانِ إلى السماءِ) تبقى مستمرّةً على مدارِ حياتِهِ، سواءٌ كانَ متديّنا أم لا، ملتزما أم لا، فرحا بالدنيا وزخرفِها أم لا.

فلا بدَّ من لحظاتِ صعودٍ روحيٍّ أو عروجٍ روحيٍّ يُجسِّدُهُ الدعاءُ، فالدعاءُ والتضرّعُ فعلٌ وممارسةٌ رياضيّةٌ نفسيّةٌ وروحيّةٌ، تُخلِّصُ الإنسانَ من متاعبِهِ ومشاقِّهِ، وتهوِّنُ عليهِ، وتحفظُ كرامتَهُ، إذ يشكو لجهةٍ عليا لا تفضحُ ولا تبوحُ ولا تكشفُ ولا تمنُّ ولا تبخلُ.

وكثيرا ما نجدُ أنفسَنا، بمجرّدِ أن ندعوَ، نتخلّصُ من الأحمالِ والأثقالِ، وتهونُ الأمورُ في أعينِنا، وتغمرُنا طاقةٌ إيجابيّةٌ وارتياحٌ غريبٌ نجهلُ سببَهُ بالضبطِ، وهذا كلُّهُ يمثّلُ وقودا ربّانيّا يساعدُنا على البقاءِ والتواصلِ والمواصلةِ والاستمرارِ والعطاءِ والتحدّي، ولا سيّما من يحتفي في حياتِهِ بالرموزِ الربّانيّةِ والقدواتِ الإلهيّةِ من الأنبياءِ والمرسلينَ والأولياءِ والصالحينَ.

ولعلّني أجدُ من المناسبِ هنا ذكرَ قولِ الإمامِ عليٍّ (عليه السلام)، فهو قاعدةٌ متوازنةٌ لمن يريدُ أن يحيا حياةً سعيدةً بعيدةً عن الإحباطِ والكسلِ، وبعيدةً عن التمادي والانغماسِ في اللذّاتِ، وهو:

(اعملْ لدنياكَ كأنّكَ تعيشُ أبدا، واعملْ لآخرتِكَ كأنّكَ تموتُ غدا) فامضوا على هذا النهجِ كي تفلحوا، وما خابَ من تمسّكَ بالفائزينَ.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال