▪️عباس خالد ||
تواجه العراق اليوم معضلة استثنائية على صعيد الأمن والسياسة والشرع تتجسد في ملف نقل عناصر تنظيم داعش إلى الأراضي العراقية وهو ملف محفوف بالمخاطر يتداخل فيه الأمن الوطني بالسيادة والسياسة بالعدالة والشرع بالقانون.
يأتي هذا الملف في ظل محاولات دولية وإقليمية لتحميل العراق مسؤولية التعامل مع عناصر التنظيم خصوصًا الأجانب منهم بعد أن عجزت بعض الدول عن مواصلة احتجازهم. وهو ما يجعل العراق أمام قرار استراتيجي شديد التعقيد، لا يقتصر أثره على أمن السجون بل يمتد إلى استقرار الدولة والمجتمع على حد سواء.
▪️الخطر الأمني المباشر.
التجربة العراقية أثبتت أن عناصر داعش ليسوا أسرى عاديين بل تنظيم عقائدي تكفيري يمارس القتل الجماعي ويرتكب المجازر ويعيد إنتاج الإرهاب داخل الحدود أو عبر خلايا نائمة.
وجود هؤلاء العناصر داخل العراق يشكل خطرًا مستمرًا، حتى وهم رهن الاحتجاز إذ تحولت السجون سابقًا إلى مراكز تجنيد وتأهيل فكري وارتفعت احتمالات التمرد أو التنسيق مع خلايا خارجية وأي اختراق أمني بسيط قد يؤدي إلى سلسلة عمليات انتقامية واسعة ما يجعل هذا الملف بمثابة قنبلة موقوتة في قلب الدولة.
▪️الأبعاد السياسية والسيادية.
يُطرح الملف في إطار ضغوط خارجية مباشرة وغير مباشرة حيث تسعى بعض الدول إلى تمرير عبء المحاسبة والعقوبة إلى العراق. وفي الداخل يشكل الملف أداة سياسية قابلة للاستغلال من قبل الأطراف المختلفة سواء لتعزيز مواقف طائفية أو كورقة تفاوض انتخابية.
هذا الواقع يضعف سيادة الدولة ويقلص قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة ويهدد الثقة الشعبية بالمؤسسات الأمنية والقضائية. ومن دون موقف واضح وموحد يتحول التعامل مع الملف إلى أداة لتأجيج الانقسامات السياسية والمذهبية.
▪️التداعيات الاقتصادية.
إدارة هذا الملف تحمل كلفة مالية مباشرة تشمل
إنشاء مراكز احتجاز عالية التأمين.
ومتابعة التحقيقات والمحاكمات الطويلة.
متطلبات الحماية والاستخبارات المكثفة.
أما الكلفة غير المباشرة فتشمل تعطيل المشاريع التنموية و تراجع الاستثمار وزيادة الإنفاق الأمني مما يضع الاقتصاد في حلقة استنزاف متكررة إذا ما أعيد إنتاج الإرهاب.
▪️الإشكاليات الشرعية والقانونية
من الناحية الشرعية.
هؤلاء العناصر يدخلون ضمن توصيف المحاربين والمفسدين في الأرض ويجب التعامل معهم وفق مبادئ منع الجرائم المستقبلية.
حفظ حقوق الضحايا.
وتحقيق العدالة دون تساهل أو تمييز.
على صعيد القانون فإن غياب توافق وطني على توصيفهم يفتح الباب للتدخلات السياسيةويُضعف تطبيق العدالة ويزيد احتمالات الإفلات من العقاب.
▪️التحليل الاستشرافي.
يمكن تفصيل السيناريوهات المستقبلية في ثلاث محاور:-
١- الاحتواء المنضبط.
إدارة أمنية صارمة وقضاء مستقل وشفافية حكومية تمنع عودة التنظيم وتحقق الاستقرار.
٢-التدوير السياسي.
إطلاق سراح انتقائي أو تدخلات سياسية يعيد تدوير داعش تدريجيًا ويؤدي إلى توترات داخلية وإقليمية.
٣-الانفجار الأمني.
أي اضطراب داخلي أو إقليمي قد يؤدي إلى فتح السجون أو انهيار السيطرة ما يتيح للتنظيم العودة بقوة أشد، ويشكل تهديدًا وجوديًا.
الاستنتاجات والتوصيات.
١- الملف أمني وسيادي استراتيجي لا يمكن التعامل معه كملف إداري أو قضائي تقليدي.
نقل عناصر داعش دون ضمانات صارمة يُعد مجازفة وجودية.
٢- الشفافية والمصارحة مع الرأي العام ضرورة لتجنب الإشاعات وارتكاب أخطاء استراتيجية.
٣-اعتماد توصيف شرعي وقانوني موحد وحماية القضاء من التدخلات السياسية شرط أساسي لإدارة الملف.
٤-إعداد خطط طوارئ استباقية للسيناريو الأسوأ، لتجنب أي ارتداد أمني محتمل.
خلاصة.
ملف نقل عناصر داعش إلى العراق يمثل اختبارًا حقيقيًا لهيبة الدولة وقدرتها على حماية شعبها و أي قرار يُتخذ دون الحذر الاستراتيجي والحسم القانوني والشرعي سيحول هذا الملف إلى قنبلة أمنية مؤجلة تهدد الأمن والاستقرار الوطني وتعيد إنتاج الإرهاب في العراق من جديد.
