قاسم الغراوي ||
لم يعد اسم إبستين مجرد فضيحة أخلاقية مدوية في مجتمع بعيد، بل تحوّل إلى رمز لشبكة نفوذ خفيّة تتداخل فيها السلطة بالمال، والإعلام بالتكنولوجيا، والسياسة بالمصالح العابرة للحدود.
حين نقول إن “إبستين في بيوتنا”، فنحن لا نقصد شخصاً بعينه بقدر ما نشير إلى منظومة كاملة تمتلك أدوات التأثير وإعادة تشكيل الوعي، منظومة تعرف كيف تدخل إلى غرف أطفالنا عبر الشاشات، وتجلس إلى موائدنا عبر الأخبار، وتعيد صياغة مفاهيم القيم والنجاح والحرية.
الشخصيات النافذة في عالم المال والتكنولوجيا والإعلام باتت اليوم جزءاً من هندسة القرار العالمي.
شركات التكنولوجيا الكبرى لا تصنع أدوات تواصل فحسب، بل تصنع بيئات إدراكية كاملة مالخوارزميات تحدد ما نراه، وما لا نراه، وما نعتقد أنه رأي عام.
حين تتقاطع مصالح هذه الشركات مع دوائر سياسية واقتصادية كبرى، يصبح التأثير مضاعفاً ؛ إذ لا يعود الأمر متعلقاً بسوق أو منتج، بل بثقافة تُصاغ ووعي يُعاد تشكيله بهدوء.
أخطر ما في هذه المنظومة أنها لا تقتحم البيوت بالقوة، بل تتسلل تحت شعار الترفيه والمعرفة والتواصل. ألعاب الأطفال لم تعد مجرد وسيلة للمتعة، بل منصات تفاعلية تُغذّي أنماطاً من السلوك، وتبني عوالم بديلة قد تفوق جاذبيتها الواقع.
بعض هذه الألعاب والمحتويات الرقمية يعزّز العنف، أو يروّج لفردانية مفرطة، أو يفتح أبواباً لتحديات خطرة دفعت مراهقين في أنحاء مختلفة من العالم إلى إيذاء أنفسهم أو الانخراط في سلوكيات مدمّرة. منصات التواصل، بخوارزمياتها القائمة على جذب الانتباه، قد تدفع الأطفال والمراهقين إلى دوائر من المقارنة المستمرة، والشعور بالنقص، والبحث المحموم عن القبول، ما ينعكس قلقاً واكتئاباً واضطرابات في الهوية.
النتائج لا تظهر دفعة واحدة، بل تتراكم تدريجياً. تغيّر في اللغة اليومية، تراجع في سلطة الأسرة التربوية أمام “سلطة الشاشة”، إعادة تعريف للنجاح على أنه شهرة سريعة أو ثراء بلا سياق قيمي.
تتبدل أنماط السلوك فيميل بعض الشباب إلى العزلة الرقمية، أو إلى تقليد أنماط حياة استهلاكية لا تتناسب مع واقعهم، أو إلى التماهي مع رموز يصنعها الإعلام أكثر مما يصنعها الإنجاز الحقيقي.
الثقافة تتحول من تراكم معرفي وأخلاقي إلى تدفق سريع للصور والمقاطع القصيرة التي تختزل العالم في لحظات مثيرة.
التحدي الأكبر يكمن في أن هذه التحولات تجري في بيئة غير متكافئة فالأسرة والمدرسة والمؤسسات التربوية تتحرك بإيقاع بطيء، بينما تتحرك التكنولوجيا بسرعة هائلة، وتملك موارد ضخمة للبحث والتطوير والتأثير النفسي. كما أن الرقابة التقليدية لم تعد فعّالة في عالم افتراضي عابر للحدود.
وهنا تتعمق الفجوة بين جيل نشأ في الفضاء الرقمي ويتقنه، وجيل يحاول اللحاق به دون أدوات كافية.
مع ذلك، لا يمكن اختزال المشهد في صورة مؤامرة شاملة تلغي مسؤوليتنا الفردية والجماعية ، فالتكنولوجيا أداة، ويمكن أن تكون مصدر معرفة وتمكين إذا أُحسن استخدامها.
الإعلام قد يكون مساحة وعي ونقد، لا مجرد منصة تلاعب ، لكن ذلك يتطلب وعياً نقدياً حقيقياً ، التربية الرقمية تبدأ من البيت، تعليماً يعزز التفكير التحليلي لا التلقي السلبي، وتشريعات تحمي الأطفال من الاستغلال التجاري والمحتوى الضار دون أن تخنق حرية التعبير.
“إبستين في بيوتنا” هو تحذير رمزي من ترك أطفالنا وحدهم في مواجهة منظومات معقدة تفوقهم خبرةً وقدرةً على الجذب. المعركة اليوم ليست فقط على الأرض أو في السياسة، بل في العقول والقلوب ، وإذا لم نُحصّن الوعي، ونُعيد الاعتبار لدور الأسرة والمدرسة والقيم الثقافية، فإن التأثير سيستمر بالتغلغل، لا كحادثة صادمة، بل كتحوّل بطيء يعيد تشكيل إنسان الغد من دون أن نشعر.
