جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة


 أمين السكافي ||


ليس الصوم امتناعًا عابرًا عن الطعام والشراب، ولا هو تمرينًا جسديًا على الاحتمال فقط، بل هو عبادة تتجاوز حدود الجسد لتلامس أعماق الروح، وتعيد تشكيل الإنسان من الداخل. هو مدرسة إلهية مفتوحة، يدخلها المؤمن طائعًا، ليخرج منها أخفّ قلبًا، أنقى سريرة، وأقرب إلى معنى الإنسان الذي أراده الله يوم خلقه.

حين فرض الله الصيام، لم يفرضه ليعذّب عباده بالجوع والعطش، بل ليوقظ فيهم الإحساس، وليفتح نوافذ القلب على معاناة الآخرين. فالجائع حين يصوم، يذوق ألم الجوع ولو ساعات، فيتذكر من يعيش هذا الألم دهرًا، فيرقّ قلبه، وتلين جوارحه، وتنهض فيه فريضة الرحمة. وهكذا يتحول الصوم إلى جسر إنساني يصل الغني بالفقير، والقادر بالعاجز، ويجعل من التعاطف سلوكًا لا شعارًا.

الصوم تطهير للنفس من أثقال الذنوب، وغسل داخلي من أدران الشهوات المتراكمة. هو لحظة وقوف طويلة أمام مرآة الضمير، يراجع فيها الإنسان حساباته، ويستعيد توازنه بين ما يريد وما ينبغي. في ساعات الصمت الداخلي، حين تخفت ضوضاء الغرائز، تتجلى الحقيقة أوضح: أن الإنسان ليس جسدًا فقط، بل روحٌ تشتاق إلى السمو، وعقلٌ يبحث عن المعنى.

ولم يرد الله بالصوم الامتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل أراد صوم اللسان عن الزلل، وصوم العقل عن السوء، وصوم الغرائز عن الانفلات. فكم من صائم جائع، أفطر لسانه على الغيبة، وعقله على الحقد، وقلبه على القسوة! الصوم الحقيقي هو أن تصوم الجوارح كلها، وأن يتحول الامتناع المادي إلى يقظة أخلاقية شاملة، تجعل الإنسان أكثر وعيًا لكلماته، وأحرص على أفعاله، وأصدق في نيّاته.

في الصيام يقترب العبد من ربّه بخشوعٍ خفي، لا يراه إلا الله. فهو عبادة سرّية، لا رياء فيها ولا مظهر، لأن حقيقتها في النية، وصدقها في الخلوة. وحين يشعر الصائم بأن الله وحده يعلم عطشه وجوعه وصبره، تتعمق صلته به، ويذوق طعم القرب الإلهي الذي لا يشبه أي لذة أخرى. هنا يصبح الجوع نورًا، والعطش طمأنينة، والتعب راحة.

الصوم رحلة صعود من المادي إلى الروحي، ومن الغريزي إلى الإنساني. فيه يتخفف الإنسان من أثقال الجسد ليحلّق بروحه في فضاءات الصفاء. هو عودة إلى الفطرة الأولى، إلى تلك اللحظة النقيّة التي خُلق فيها الإنسان حرًا من الشهوات، صافياً من الأهواء، قريبًا من الله. وكلما أخلص الصائم في صومه، اقترب أكثر من تلك الصورة الأولى، واستعاد شيئًا من براءتها وصدقها.

هكذا يكون الصوم زكاة الأبدان، لا لأنه يطهّر الجسد فقط، بل لأنه يزكّي الروح، ويهذّب النفس، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بذاته وبخالقه وبالآخرين. هو تمرين على السمو، ودعوة دائمة إلى أن نكون أكثر إنسانية، وأكثر رحمة، وأكثر قربًا من الله


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال