قاسم الغراوي ||
لا يُقاس الحق السيادي للدول بطول سواحلها، بل باعتراف القانون الدولي وحدوده المرسومة رسمياً، وهذا المبدأ ينطبق بشكل واضح على حالة العراق في وصوله إلى الخليج العربي، وهو حق مثبت وفق الخرائط والقرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، وليس منحة من أي طرف إقليمي أو دولي.
من الناحية القانونية، يمتلك العراق صفة الدولة الساحلية الكاملة، بغض النظر عن قصر شريطه الساحلي وهذا المبدأ ثابت في اتفاقية قانون البحار لعام 1982، التي تمنح كل دولة ساحلية حق المياه الإقليمية، وحق الوصول الحر إلى المياه الدولية، وحق إنشاء وتشغيل الموانئ لأغراض التجارة والتنمية ، وقد أكدت قرارات مجلس الأمن، خاصة القرار 833 لعام 1993، ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت، بما يضمن للعراق منفذاً بحرياً معترفاً به دولياً، ويحدد في الوقت نفسه الإطار القانوني الذي يمنع أي نزاع مستقبلي على السيادة.
وفق هذه الخرائط الدولية، فإن العراق لا يطالب بأكثر من حقه المعترف به، ولا يسعى إلى تعديل الحدود بالقوة أو فرض أمر واقع خارج الشرعية الدولية ، بل على العكس، فإن الدولة العراقية الحديثة تعمل ضمن النظام الدولي، وتلتزم بالاتفاقيات والقرارات الأممية التي تنظم الملاحة والسيادة البحرية ، وهذا يعني أن حق العراق في تطوير موانئه، مثل ميناء الفاو الكبير، وتأمين وصوله التجاري إلى العالم، هو حق مشروع ومكفول قانوناً، ولا يمثل تهديداً لأي دولة مجاورة.
إن مصدر القلق الكويتي، في جوهره، يرتبط بالتجربة التاريخية المؤلمة خلال فترة حكم صدام حسين، عندما تم استخدام القوة العسكرية لتغيير الواقع السياسي والجغرافي. لكن هذا الواقع انتهى جذرياً منذ عام 2003، حيث نشأ نظام سياسي جديد في العراق قائم على الاعتراف الدولي، والتعددية، والالتزام بالشرعية الدولية.
العراق اليوم ليس دولة توسعية، بل دولة تسعى إلى إعادة بناء اقتصادها وتعزيز دورها كممر تجاري إقليمي، وهو هدف يتطلب الاستقرار والتعاون، لا الصراع.
من الناحية الاستراتيجية، فإن وجود عراق مستقر وقوي اقتصادياً يخدم مصلحة المنطقة بأكملها، بما فيها الكويت نفسها. فالموانئ العراقية ليست منافساً وجودياً للكويت، بل يمكن أن تكون جزءاً من شبكة تكامل اقتصادي إقليمي، تربط الخليج بآسيا وأوروبا وإن هذه الجغرافيا لا يجب أن تكون سبباً للخوف، بل فرصة للتكامل، خاصة عندما تكون محكومة بقواعد القانون الدولي.
في ضوء ذلك، فإن حق العراق في مياهه الإقليمية ليس محل جدل قانوني، بل حقيقة مثبتة دولياً وان التحدي الحقيقي لا يكمن في إثبات هذا الحق، بل في بناء الثقة الإقليمية على أساس الواقع الجديد وهو عراق مختلف في نظامه السياسي، ملتزم بالقانون الدولي، ويسعى إلى التنمية لا المواجهة واما الهواجس و الخوف فهي تنتمي إلى الماضي، أما الحاضر، فهو محكوم بالشرعية الدولية، والمستقبل يجب أن يُبنى على التعاون، لا على ذاكرة الصراع.
