ميخائيل عوض
تشكل الحروب الكبرى لحظات اختبار حاسمة لنظريات القوة، وحدود الردع، وفعالية النماذج الاستراتيجية في تفسير التحولات العميقة في النظام الدولي والإقليمي.
وذلك في محاولة لفهم كيف يُعاد بناء معنى “النصر” في سياق حرب يصفها بأنها حرب نهايات لا جولات.
وفي هذا السياق، تبرز الأطروحات التحليلية التي لا تكتفي بوصف الوقائع، بل تسعى إلى إعادة تعريف معايير الفهم ذاتها، خاصة عندما يكون هناك مؤشرات بحدوث تحول بنيوي في ميزان الحرب وليس مجرد تبدل في مجرياتها التكتيكية.
ضمن هذا الإطار، وتحت عنوان “النصر طوع أصحاب الرايات” مقاربة استراتيجية تنطلق من فرضية مركزية مفادها أن الحرب الجارية لم تعد حرباً تقليدية بين طرفين، بل تحولت إلى حرب على تعريف من يمتلك المبادرة ومن يحدد الإيقاع التاريخي للصراع. وبحسب هذا الطرح، فإن ما يجري ليس مجرد صراع عسكري، بل لحظة انتقال في مركز الفعل الاستراتيجي من الغرب إلى الشرق، ومن القوة المهاجمة إلى القوة التي أعادت تعريف شروط الاشتباك.
*أولاً: الحرب كتحول في المعنى لا في الوقائع*
نبدأ من إعادة تعريف الحرب ذاتها، فإن مقاربتها ووصفها بسلسلة من الاشتباكات أو العمليات العسكرية، كعملية انتقال من حرب أهداف كبرى إلى حرب نتائج كاشفة
في هذا السياق، تصبح قيمة الحدث لا في ذاته، بل في موقعه ضمن مسار التحول.
فالبداية، كما نصورها، كانت قائمة على أهداف استراتيجية قصوى: إسقاط نظام، تفكيك دولة، إعادة تشكيل إقليم. لكن مسار الحرب، وفق منطقه، لم يؤدِ إلى تحقيق هذه الأهداف، بل انحدر إلى صراع على مسائل خارج الحسابات مثل التحكم بممرات مائية.
هذا الانحدار، في منطقه التحليلي، ليس تفصيلاً، بل هو الدليل المركزي على فشل المشروع الاستراتيجي الأصلي. وعليه، تصبح الحرب هنا أداة لكشف حدود القوة، لا لتجسيدها.
*ثانياً: “تقريش السياسة” كآلية لإدارة الإدراك*
ومن هنا نقدم مفهوماً إجرائياً لافتاً يتمثل في “تقريش السياسة”، وهو مصطلح نستخدمه لوصف عملية تضخيم إعلامي مقصودة تهدف إلى إغراق المتلقي في ضجيج يمنعه من إدراك التحولات الفعلية.
ضمن هذا الإطار، لا يكون الإعلام ناقلاً للواقع، بل أداة لإعادة تشكيله إدراكياً، بحيث
يتم تضخيم التهديدات، بهدف إعادة إنتاج صورة القوة للطرف المتراجع وإخفاء التحولات في ميزان المبادرة.. بهذا المعنى، تصبح الحرب ذات مستويين:
– حرب ميدانية
– حرب على تفسير الحرب
فإن الفشل في المستوى الثاني يؤدي إلى عجز في فهم الأول، ما يجعل الجمهور أسير سرديات لا تعكس الوقائع.
*ثالثاً: معيار الحسم — انتقال المبادرة*
المفهوم الأكثر مركزية هو المبادرة، التي يعتبرها المعيار الحقيقي لتحديد مسار النصر.
فبحسب رؤيتنا المنتصر ليس من يملك القوة الأكبر، بل من يحدد متى وأين وكيف تُستخدم القوة.
وعليه، إن الحرب شهدت انتقالاً حاسماً من طرف كان يحدد توقيت الضربات وأهدافها
إلى طرف بات يفرض إيقاع الردود وسقوفها.
هذا التحول، في نظره، لا يُقاس بحجم الدمار، بل بقدرة أحد الأطراف على فرض قواعد اشتباك جديدة وتقييد خيارات الخصم وتحويله من فاعل إلى مستجيب وبذلك، تصبح المبادرة مؤشراً على انتقال مركز الثقل الاستراتيجي. وهذا ما بات محسوما لصالح إيران وحلفائها اليوم.
*رابعاً: مضيق هرمز كدليل على انكسار الهدف الاستراتيجي*
إن مضيق هرمز بوصفه حالة دلالية، لا مجرد موقع جغرافي. إن تحوله إلى محور التهديد في خطاب ترامب يعكس انتقال الحرب من مشروع إسقاط شامل إلى محاولة ضبط ممر حيوي لم يغلق أصلا.
وهذا التحول يكشف فشل الأهداف الكبرى، وانكفاء الطموح الاستراتيجي وبالتالي
اضطرار الطرف المهاجم إلى إعادة تعريف أولوياته، وعليه، يصبح المضيق رمزاً لانقلاب المعادلة، حيث يتحول من هامش في الخطة إلى مركز في الأزمة، وأن هذا الهدف المستحدث في الحرب والذي لم يكن مطروحا أصلا في سبب الاعتداء دليل عجز إدارة ترامب عن إيجاد أي صورة إنجاز مما دفعه إلى إعادة صياغة الأهداف لا تكييف الأدوات لتحقيق ما بني عليه الاعتداء.
*خامساً: الجبهات كمرآة للتحول — النموذج اللبناني*
فالجبهة اللبنانية بوصفها نموذجاً تطبيقياً لتحول المبادرة.
فوفق طرحه، لم يعد الفعل العسكري الإسرائيلي قادراً على تحقيق اختراقات نوعية في بنية المقاومة اللبنانية أو على فرض مفاجآت حاسمة، في المقابل، إن الطرف المقاوم الأسطوري بات يحدد مسار الاشتباك ويتحكم في وتيرة التصعيد، ويفرض معادلات ردع جديدة.
هذا التحول، في منطقه، لا يعكس فقط توازن قوى، بل يعكس انتقالاً إلى نمط قتال مختلف، حيث يتم إبطال التفوق التكنولوجي عبر تكتيكات ميدانية مرنة وخبرة طويلة في حرب المقاومات.
*سادساً: الاقتصاد كأداة استنزاف استراتيجي*
إننا نشير إلى عنصر غالباً ما يُهمَل في التحليل، وهو الكلفة الاقتصادية للحرب،فكلفة الوسائل المستخدمة من طرف المعتدي تفوق قيمة الأهداف التي يضربها ما يؤدي إلى استنزاف غير متكافئ، هذا النمط من الحرب يعيد تعريف النصر وفق رؤيتنا بأنه: “ليس بتحقيق الأهداف، بل بجعل استمرار الحرب غير مجدٍ اقتصادياً للخصم”.
*سابعاً: إعادة تعريف مركز الثقل عبر الاستهداف*
فالتحول في طبيعة الأهداف، حيث يتم الانتقال من أطراف النظام وقياداته في إيران إلى مراكزه الحيوية. هذا التحول يعكس:
– ارتفاع دقة العمليات الإيرانية
– زيادة الثقة بالقدرات
– إعادة تعريف مركز الثقل في الحرب ونقلها من تفوق الخصم تكنولوجيا وعسكريا إلى إخفاقه في تحقيق أي إنجاز كاسر في الميدان.
وبذلك، تصبح الضربات ليست مجرد ردود، بل أدوات لإعادة رسم أولويات الصراع.
*ثامناً: ميزان القوى الكلي كحاكم نهائي*
من المعروف بأن الحروب لا تُحسم بالمعارك ولا بتكلفة العمران والتدمير والقتل على صعوبتها، بل بميزان القوى الكلي، الذي يشمل:
– العمق الجغرافي
– القدرة على الاستمرار
– البيئة الإقليمية
– البنية الاقتصادية
ووفق هذا المنظور، وكلها راجحة لصالح إيران وحلفائها وبالتالي ما يحدث في الميدان هو مجرد تعبير متأخر عن اختلال سابق في هذا الميزان.
*تاسعاً: الحرب كمرحلة نهائية في دورة تاريخية*
تأكيدنا على توصيف هذه الحرب بوصفها:
:حرب نهايات، لا حرب جولات”
أي أنها تمثل نهاية نمط هيمنة وبداية تشكل نظام جديد في عالم جديد.
وهذا الطرح ينقل التحليل من مستوى الحدث إلى مستوى التحول التاريخي، حيث تصبح الحرب لحظة فاصلة في إعادة توزيع القوة عالمياً.
وفقاً للطرح فإن الحرب الجارية لا يمكن فهمها ضمن الأطر التقليدية التي تقيس النصر بحجم التدمير أو عدد الضربات، بل يجب قراءتها كعملية انتقال في مركز الفعل الاستراتيجي، حيث انتقلت المبادرة من الطرف الذي بدأ الحرب إلى الطرف الذي أعاد تعريفها.
إن الدلالة الأعمق لهذا التحليل تكمن في أن النصر لم يعد يُنتَج بالقوة وحدها، بل بالقدرة على إعادة صياغة شروط استخدامها.
وعليه، فإن الطرف الذي ينجح في فرض إيقاع الحرب، وتحديد سقوفها، وتحويل أهدافها، يكون قد امتلك فعلياً مفاتيح نهايتها، حتى قبل أن تتوقف العمليات العسكرية.
بذلك، تصبح عبارة “النصر طوع أصحاب الرايات” تعبيراً عن تحوّل في طبيعة الصراع ذاته، حيث لم يعد الحسم بيدمن يملك القوة الأكبر بل طوع من يملك القدرة على تعريف ما تعنيه القوة في هذه المرحلة من التاريخ.
وفي هذا المستوى، لا تكون الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة تأسيس حضارية، يُعاد فيه توزيع الفاعلية، وتُكتب فيه قواعد اشتباك مختلفة، قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الإقليم، لتطال بنية النظام الدولي بأسره.
