قاسم الغراوي ||
في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط، لم تعد المواجهة الدائرة مجرد صراع عسكري تقليدي، بل تحوّلت إلى لحظة مفصلية لإعادة صياغة مفاهيم القوة والردع على المستوى الدولي.
فإيران، وهي تخوض اشتباكها الحالي، بعد الاعتداء عليها من قبل الصهيو امريكي لا تتحرك ضمن إطار دفاعي ضيق عن سيادتها فحسب بل تتصرف كفاعل يسعى لإعادة هندسة قواعد اللعبة نفسها، واضعةً العالم أمام معادلة جديدة تتجاوز موازين القوة الكلاسيكية.
هذه المقاربة الإيرانية تعكس انتقالاً نوعياً من “الدفاع” إلى “إعادة تعريف الردع”. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من ترسانة عسكرية، بل بقدرتها على فرض تصوراتها وإجبار خصومها على التكيّف معها.
وفي هذا السياق، تبدو إيران وكأنها تختبر حدود النظام الدولي، محاولةً تثبيت موقعها كقوة إقليمية ذات تأثير عالمي، لا مجرد طرف في نزاع محدود.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا:
هل الولايات المتحدة مستعدة لتقبّل هذا التحول؟
تاريخياً، لم تكن واشنطن تميل إلى التكيّف مع قوى صاعدة تتحدى هيمنتها، بل غالباً ما سعت إلى كسرها أو احتوائها ، غير أن الواقع الحالي يبدو أكثر تعقيداً؛ فالتكاليف الاستراتيجية لأي مواجهة شاملة أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه في العقود السابقة، كما أن البيئة الدولية لم تعد أحادية القطبية كما كانت بعد الحرب الباردة.
إن المقارنة الضمنية مع لحظة قصف هيروشيما ليست مجرد استدعاء تاريخي، بل تحمل دلالة عميقة فهل يمكن أن تلجأ الولايات المتحدة إلى حسم جذري يعيد فرض قواعدها بالقوة؟ أم أن طبيعة الردع الحديثة—القائمة على التشابك الاقتصادي والتوازنات النووية والضغوط غير المباشرة—تجعل من هذا الخيار أقرب إلى المستحيل؟
الواقع يشير إلى أن الردع الأمريكي لم يعد قائماً فقط على التفوق العسكري، بل على “الصورة الذهنية” للقوة.
وهذه الصورة التي ترسخت لعقود بدأت تتعرض لاختبار حقيقي ، فكلما نجحت قوى إقليمية في تحدي واشنطن دون مواجهة مباشرة، تآكلت هيبة هذا الردع تدريجياً، حتى لو بقيت القدرات العسكرية الأمريكية متفوقة من الناحية التقنية.
في المقابل، تراهن إيران على هذا التحول تحديداً فهي تدرك أن كسر “هيبة الردع” قد يكون أكثر تأثيراً من كسر القوة نفسها.
لذلك فإن استراتيجيتها لا تهدف بالضرورة إلى الانتصار العسكري المباشر، بل إلى فرض واقع يجعل من الصعب على خصومها العودة إلى قواعد اللعبة القديمة.
في النهاية قد لا تكون المسألة من ينتصر عسكرياً، بل من ينجح في إعادة تعريف معنى القوة وإذا استمرت هذه الديناميكيات فإن العالم قد يكون بالفعل أمام مرحلة جديدة، حيث لا تُقاس الهيمنة بما تملكه الدول من قوة صلبة فقط، بل بقدرتها على إعادة تشكيل إدراك الآخرين لهذه القوة.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي فهل ستتكيف الولايات المتحدة مع هذا التحول وتعيد إنتاج استراتيجيتها، أم ستدخل في مواجهة مفتوحة قد تعيد رسم خريطة النظام الدولي بأكمله؟
