جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 


أمين السكافي ـ لبنان ـ صيدا ||

﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (245)

أيُّ نداءٍ هذا الذي يخترقُ حُجُبَ الغفلة، ويطرقُ أبوابَ القلوبِ طرقًا رفيقًا مهيبًا في آن؟ من ذا الذي يُقرضُ الله؟ سؤالٌ يُربكُ العقل قبل أن يُطمئن القلب. كيف للفقير إلى أنفاسه أن يُقرض الغنيَّ المطلق؟ وكيف للمحدود أن يُعطي اللامحدود؟ لكنها ليست معادلة أرقام، بل معادلة أرواح.

إنها التجارة التي عرضها الخالق على المخلوق، عرضها من مقام الجلال إلى مقام الضعف الإنساني، لا حاجةً منه، تعالى عن الحاجة، بل رحمةً بنا، وتكريمًا لنا. هو الذي قال للكون كن فكان، وهو الذي بيده الملك، يقبض ويبسط، يرفع ويخفض، ثم يلتفت إلينا – نحن ذرةً في فضاءٍ لا يُدرك مداه – ليقول: أقرضوني.

في المفهوم البشري، القرض مخاطرة، واحتمال ربح أو خسارة، أما هنا فالأمر مختلف. الضامن هو الله، والكفيل هو الله، والمضاعِف هو الله. أيُّ طمأنينةٍ أعظم من أن يكون الشريك في تجارتك هو ربُّ السماوات والأرض؟ إنها صفقة لا يدخلها الخسران، لأن الطرف الآخر فيها هو الحقّ المطلق.

القرض الإلهي ليس مالًا فحسب، وإن كان المال أحد أبوابه. هو كل يدٍ تمتدُّ بالخير، كل لقمة تُوضع في فم جائع، كل دمعة تُمسح عن خدّ يتيم، كل زكاة تُطهّر المال، وكل خمسٍ يُعاد به الحقُّ إلى نصابه، كل إحسانٍ يُزرع في أرض القلوب. هو أن تعطي وأنت تعلم أن العائد ليس رقماً في حسابٍ مصرفي، بل نورًا في صحيفة، وظلًا يوم لا ظلّ إلا ظله.

كم شعرتُ بالخجل وأنا أتأمل الآية. أيُّ تواضعٍ إلهيٍّ هذا؟ هو الغنيُّ ونحن الفقراء، ومع ذلك يخاطبنا بلغة الاستعطاف لا بلغة الأمر، بلغة العرض لا بلغة الفرض. “من ذا الذي…” كأنها دعوة شرف، لا تكليف ثقيل. كأن الله يختبر فينا معنى الثقة به، لا مقدار المال الذي نُخرجه.

القرض الحسن ليس في الكمّ، بل في الكيف. ليس في الرقم، بل في النية. قد تُنفق القليل فيكون عند الله كثيرًا، وقد تُنفق الكثير فيعود عليك سرابًا إن خلا من الإخلاص. هنا تتبدّل المعايير؛ فالسوق سوق القلوب، والعملة صدق التوجّه، والربح رضوانٌ يتجاوز حدود الدنيا.

في هذا العرض الإلهي تتجلّى فلسفة الوجود: نحن لا نملك شيئًا على الحقيقة، بل نحن مستخلَفون عمّا في أيدينا. المال الذي نبخل به هو في أصله عارية، والنعمة التي نظنها ملكًا هي امتحان. فإذا أعطينا، فنحن في الحقيقة نُعيد الأمانة إلى صاحبها، لكنه – بكرمه – يعيدها إلينا مضاعفة، ويكتبها لنا فضلًا.

“والله يقبض ويبسط”؛ تذكير بأن الرزق بيده، وأن ما نُخرجه لا يُنقص، بل يفتح أبوابًا خفية من العطاء. كم من درهمٍ خرج في سبيل الله فعاد طمأنينةً في صدر صاحبه، وبركةً في عمره، وسعةً في رزقه، ونورًا في قبره.

القرض الإلهي هو امتحان الثقة. أن تؤمن بأن ما عند الله أبقى، وأن الغيب أوثق من الشهادة، وأن يدك حين تمتدُّ بالعطاء لا تُفرغ، بل تمتلئ بمعنى جديد للحياة. هو أن تتحرر من عبودية المال إلى عبودية المعطي.

وفي النهاية، “وإليه تُرجعون”. هناك تُكشف الحسابات، وتظهر الأرباح الحقيقية. هناك يدرك الإنسان أن الصفقة كانت أعظم مما تصوّر، وأن ما أعطاه في الدنيا كان في الحقيقة ادخارًا ليوم الفاقة الكبرى.

يا لها من تجارة! ربُّ العالمين يعرض، ونحن المدعوون. فطوبى لمن لبّى، وأقرض، وأحسن، فوجد الله عند وعده، ووجد الوعد أكبر من كل تصور

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال