جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 

أمين السكافي ||


ليست الكلمة حروفًا تُنطق ثم تمضي، ولا صوتًا عابرًا يتبدد في الهواء، بل هي كائن حيّ، يولد في أعماق الروح، ويخرج إلى العالم حاملاً شيئًا من نور القلب أو ظلامه. الكلمة روحٌ تتجسد، وسهمٌ إن أُطلق لا يعود، وأمانةٌ إن خرجت من الفم أصبحت جزءًا من تاريخ الإنسان وذاكرته.

في البدء كانت الكلمة، بها خُلق المعنى، وبها تمايز الحق عن الباطل. في الدين، الكلمة عهدٌ ومسؤولية، بها يُعلن الإيمان، وبها يُنطق الحق، وبها تُقام الحجة أو تُهدم. الكلمة قد تكون شهادة ترفع صاحبها إلى مراتب الصدق، وقد تكون زورًا تهوي به إلى درك الخيانة. لذلك، لم تكن الكلمة يومًا أمرًا هيّنًا، بل كانت ميزانًا دقيقًا تُوزن به النفوس.

أما في الإنسان، فالكلمة مرآته. بها يُعرف صدقه من كذبه، وشجاعته من جبنه. الإنسان الذي يملك كلمته، يملك ذاته، والذي يفرّط بها، يفقد جزءًا من كرامته. الكلمة الصادقة قد تُكلّف صاحبها الكثير، قد تجلب عليه غضبًا أو خسارة أو ألمًا، لكنها في المقابل تحفظ له شرفه، وتمنحه خلودًا معنويًا لا يُقاس بالمكاسب الزائلة.

وفي المجتمع، الكلمة بناءٌ وهدم. كلمةٌ واحدة قد تشعل فتنة، وأخرى قد تطفئ نارًا مستعرة. بها تُبنى الحضارات حين تكون دعوةً للعلم والعدل، وبها تنهار حين تتحول إلى أداة تضليل وخداع. المجتمعات التي تُقدّس الكلمة الصادقة، تصمد، أما التي تستهين بها، فتتآكل من الداخل.

لكن السؤال الأهم ليس ما هي الكلمة، بل متى تُقال؟ وأين؟ الكلمة الحقيقية ليست تلك التي تُقال في الوقت المريح، بل التي تُقال حين يجب أن تُقال. حين يقف الإنسان أمام الظلم، ويختار أن ينطق، لا أن يصمت. حين يكون الصمت خيانة، وتصبح الكلمة واجبًا. قد تكون الكلفة باهظة، وقد يدفع القائل ثمنًا من راحته أو أمنه أو حتى حياته، لكن الكلمة التي تُقال في موضعها، تُصبح فعلًا من أفعال البطولة.

إن أعظم الكلمات ليست تلك التي تُقال في ساحات الأمان، بل تلك التي تولد في قلب الخطر. هناك، حيث تتعرّى النفوس، وتُختبر المواقف، وتُكتب الملاحم. الكلمة في تلك اللحظات لا تكون مجرد تعبير، بل موقف، بل تاريخ.

وحين تنتهي الأحداث، ويهدأ غبار المعارك، وتُطوى صفحات الأيام، لا يبقى من كل ذلك إلا الكلمة. هي الشاهد الذي لا يموت، والراوي الذي لا ينسى. بها تُحفظ البطولات، وتُكشف الخيانات، وتُعلَّم الأجيال. الكلمة هي ذاكرة الشعوب، وسجلّها الحي، الذي يُنقل من جيل إلى جيل، ليكون درسًا وعبرة.

لذلك، ليست الكلمة ترفًا، ولا زينة للحديث، بل مسؤولية وجودية. أن تقول الكلمة حين يجب أن تُقال، وأن تتحمّل ثمنها، هو معنى أن تكون إنسانًا كاملًا. لأن الصمت في موضع الكلمة، ضياع، والكلمة في موضعها، خلاص.

فلتكن كلماتنا نورًا لا ظلامًا، حقًا لا زورًا، حياةً لا موتًا… لأننا في النهاية، لسنا إلا ما نقول


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال