جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 


سمير السعد 


في خضم تصاعد التوترات العسكرية وتداخل الحسابات السياسية، تبرز الحرب كاختبار حقيقي لقدرة الدول على إدارة الأزمات المركبة، لا سيما حين تتداخل المواجهة الميدانية مع الحرب الإعلامية والنفسية. وفي هذا السياق، تبدو التصريحات السياسية، خصوصاً الصادرة عن شخصيات بارزة مثل دونالد ترامب  جزءاً من معركة موازية لا تقل أهمية عن العمليات العسكرية على الأرض، حيث تُستخدم الكلمات أحياناً كسلاح لرفع المعنويات أو لإرباك الخصم.

ومنذ بداية التصعيد، اعتاد المتابعون على نمط متكرر من التصريحات المتفائلة حدّ المبالغة، والتي تتحدث عن حسم سريع للمعركة، وتدمير شامل لقدرات الخصم، وإنهاء وشيك للصراع. غير أن الواقع الميداني سرعان ما يفرض معطيات مختلفة، حيث تتجدد العمليات وتتسع رقعتها، ما يكشف فجوة واضحة بين الخطاب السياسي والتطورات العسكرية الفعلية.

وبعد مرور ما يقارب (الشهر ) على اندلاع المواجهة والعدوان لا تزال الجمهورية الإسلامية الإيرانية حاضرة بقوة في إدارة دفة الصراع، معتمدة على استراتيجية تجمع بين الصمود والتكتيك المرن. فرغم الضربات الجوية المكثفة، استطاعت الحفاظ على توازن عملياتي لافت، وتوجيه ضربات مؤثرة في أهداف حساسة، سواء داخل العمق الإسرائيلي أو في مواقع وقواعد عسكرية أمريكية في المنطقة. كما أن تحركاتها في الممرات الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، أسهمت في إحداث اضطرابات اقتصادية انعكست على أسواق الطاقة العالمية.

في المقابل، يلاحظ تراجع واضح في حماسة بعض الحلفاء الغربيين للانخراط المباشر في الصراع، حيث اختارت دول أوروبية كبرى التريث أو الانسحاب التكتيكي، إدراكاً لتعقيدات المواجهة واحتمال تحولها إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة. ويعكس هذا الموقف قناعة متزايدة بأن المواجهة مع إيران لن تكون سريعة أو سهلة، بل قد تمتد لتشكل عبئاً استراتيجياً على مختلف الأطراف.

ورغم الاغتيالات  التي طالت قيادات بارزة واستشهادهم ، أظهرت طهران قدرة ملحوظة على امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم صفوفها بسرعة، بل وتحويل تلك الضربات إلى دافع لتعزيز تماسكها الداخلي واستمرار عملياتها بوتيرة متصاعدة. هذا الأداء يعكس بنية مؤسساتية قادرة على الاستمرار، ويطرح تساؤلات حول التقديرات الأولية التي راهنت على إضعافها سريعاً.

وفي ظل هذه المعطيات، يبرز تساؤل جوهري: إلى أي مدى تعكس التصريحات السياسية المتقلبة قراءة دقيقة لمجريات الميدان؟ وهل هي محاولة لصناعة واقع إعلامي موازٍ، أم أنها تعبير عن ارتباك في تقدير مسار الصراع؟

اخيراً .. تشير مجريات الأحداث إلى تفوق إيراني واضح في إدارة المعركة حتى الآن، سواء من حيث الصمود أو القدرة على المبادرة والتأثير. وبينما تتواصل التصريحات المتناقضة، يبقى الميدان هو الحكم الفصل، حيث تُقاس النتائج بالأفعال لا بالكلمات، وتُرسم ملامح المرحلة القادمة بناءً على موازين القوة الحقيقية، لا على خطابات عابرة..

التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال