فراس علي الهاشمي
بغداد – قراءة تحليلية
في العراق، لا تُستعاد ذكرى استشهاد السيد محمد محمد صادق الصدر بوصفها حدثاً من الماضي، بل كحالة مستمرة في الوعي الجمعي. فالمرجع الذي كسر حاجز الخوف في تسعينيات مثقلة بالقمع، لم يترك وراءه خطاباً دينياً فحسب، بل أسس لمسار اجتماعي وسياسي ما زالت ملامحه حاضرة حتى اليوم.
ضمن هذا الامتداد، تبرز تجربة الشيخ قيس الخزعلي وحركة عصائب أهل الحق كواحدة من أبرز النماذج التي حاولت تحويل إرث الصدر من منبر الجمعة إلى فعلٍ ميداني وسياسي في عراق ما بعد 2003.
إرث الصدر: من الصوت المعارض إلى الفعل المنظم
لم تكن علاقة الخزعلي بالصدر مجرد علاقة تلميذ بأستاذ، بل تشكلت داخل فضاء "الحوزة الناطقة" التي كسرت النمط التقليدي للمؤسسة الدينية، ودفعت بها نحو الاشتباك المباشر مع قضايا الناس.
هذا التحول أنتج جيلاً لا يرى في الدين إطاراً وعظياً فقط، بل أداةً للتغيير. ومن هنا، يمكن فهم كيف انتقلت فكرة "كسر الخوف" من خطاب الصدر إلى سلوك فصائل المقاومة لاحقاً، حيث لم يعد التحدي مقتصراً على الكلمة، بل امتد إلى الميدان.
العصائب: ترجمة عملية أم قراءة خاصة؟
عند تفكيك تجربة عصائب أهل الحق، تظهر بوضوح ملامح التأثر بالمدرسة الصدرية، ولكن ضمن سياق مختلف فرضته مرحلة ما بعد سقوط النظام:
المقاومة كمسار طويل: لم تُطرح كخيار مؤقت، بل كجزء من معادلة السيادة، وهو ما انسجم مع رؤية الصدر التي كانت تؤكد أن الحقوق لا تُنتظر بل تُنتزع.
الارتباط بالقاعدة الشعبية: حافظت العصائب على حضورها داخل الأوساط الاجتماعية، مستفيدة من الإرث الصدري الذي قام على القرب من الفئات المهمشة.
وضوح الخطاب: في مشهد سياسي يميل إلى التسويات، بقيت نبرة الحسم حاضرة، وهي سمة ارتبطت تاريخياً بخطاب الصدر.
من المقاومة إلى السياسة: معضلة التحول
لم تتوقف تجربة العصائب عند العمل المسلح، بل دخلت بقوة إلى المعترك السياسي، محاولةً الجمع بين منطقين متباينين: منطق المقاومة ومنطق الدولة.
هذا التحول يطرح إشكالية جوهرية في التجربة العراقية: هل يمكن لفصيل نشأ في بيئة مثل بيئة عراق ما بعد 2003 أن يعيد تعريف نفسه ضمن مؤسسات الدولة؟ أم أن هذا الانتقال سيبقى محكوماً بالتوتر بين المبدأ والممارسة؟
الدولة في المخيال الصدري الجديد
في خطاب الخزعلي، تحضر فكرة الدولة بوصفها مشروع عدالة وسيادة، لا مجرد هيكل إداري. وهي رؤية تستعيد جانباً مهماً من طرح الصدر، الذي ربط بين الكرامة الإنسانية والاستقلال الوطني.
لكن هذه الرؤية تصطدم بواقع عراقي شديد التعقيد، حيث تتداخل الاعتبارات الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، ما يجعل تحقيق "الدولة العادلة" هدفاً مؤجلاً أكثر منه واقعاً قائماً.
خاتمة: إرث مفتوح على التأويل
لم تنتهِ مدرسة الصدر برحيله، لكنها أيضاً لم تبقَ على صورتها الأولى. فقد خضعت لقراءات متعددة، اختلفت باختلاف الفاعلين والظروف.
وتبقى تجربة الخزعلي والعصائب واحدة من أبرز هذه القراءات؛ تجربة تحاول أن تمسك بالخيط الرفيع بين الإرث والواقع، بين الرمز والتطبيق.
وفي بلد مثل العراق، حيث تختلط الذاكرة بالسياسة، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً:
هل ما زال هذا الإرث قادراً على إنتاج مشروع دولة، أم أنه سيتحول تدريجياً إلى مجرد مرجعية رمزية تُستحضر عند الحاجة لبعض من يدعي السير على نهج السيد الشهيد محمد محمد صادق الصدر (قدس) !
