أمين السكافي ـ لبنان ||
ليست هذه الحرب مجرّد مواجهةٍ بين جيوش، ولا صراعَ حدودٍ ونفوذ، بل هي ـ في جوهرها العميق ـ صراعُ زمنٍ مع زمن، وجذورٍ ضاربةٍ في أعماق التاريخ مع كياناتٍ لم تكد تخرج من طور الولادة. إنّها مواجهةٌ بين حضارةٍ عمرها أكثر من سبعة آلاف عام، وبين كيانٍ لا يتجاوز عمره 250 عاماً، وآخر لم يُكمل حتى 78 عاماً.
الولايات المتحدة، بكل ما تمتلكه من قوةٍ وسطوة، ليست سوى كيانٍ حديث النشأة في ميزان التاريخ، لم يعش من الزمن إلا لحظاتٍ قصيرة قياساً بعمر الحضارات. أما الكيان الصهيوني، فهو أحدث من ذلك بكثير، وُلد من رحم مشروعٍ استعماري، وتشكّل على عجلٍ في سياقٍ دوليٍّ مضطرب، لا يمتلك جذوراً حضاريةً تضرب في عمق الأرض، بل يستند إلى دعمٍ خارجيٍّ وقوةٍ مفروضة.
وإلى جانبهما، تقف كياناتٌ أخرى في هذه المنطقة، لم تكن لتظهر لولا النفط، تلك الثروة التي حوّلت الصحراء في عقودٍ قليلة إلى دولٍ قائمة. كياناتٌ نشأت سريعاً، وازدهرت سريعاً، لكنها لم تمرّ بمخاض التاريخ الطويل، ولم تختبر صلابة البقاء عبر القرون.
في المقابل، يقف شعبٌ يحمل في روحه تاريخاً لا يُختصر، ولا يُختزل. الإيراني ليس مجرّد مواطنٍ في دولةٍ معاصرة، بل هو امتدادٌ حيٌّ لحضارةٍ عمرها سبعة آلاف عام، حضارةٍ شهدت نشوء الإمبراطوريات، وازدهار العلوم، وتلاقح الثقافات، وصمدت أمام الغزوات والانكسارات، لتعود في كل مرةٍ أكثر رسوخاً وأشدّ صلابة.
سبعة آلاف عام ليست رقماً يُذكر في خطابٍ حماسي، بل هي تراكمُ ذاكرةٍ، وعمقُ هوية، وتجذّرُ عقيدة. هي زمنٌ تعلّم فيه هذا الشعب كيف يصبر، وكيف ينهض، وكيف يحوّل الهزيمة إلى بداية، والرماد إلى نارٍ جديدة. هي خبرةُ البقاء حين تسقط الأمم، وحكمةُ الاستمرار حين تذوب الكيانات الطارئة.
وهنا يكمن الفارق الجوهري: فليست القوة في السلاح وحده، بل في الإيمان الذي يحمله المقاتل، وفي القصة التي يدافع عنها. هذا الإيمان لا يقف عند حدود زمنٍ معيّن، ولا يرتبط بمرحلةٍ تاريخيةٍ واحدة، بل يمتدّ من آدم إلى خاتم الأنبياء، مروراً بكل الرسالات، وصولاً إلى وعدٍ مستمرٍّ في وجدان المؤمنين. إنه إيمانٌ يرى في نفسه امتداداً لمسيرة الحق، لا مجرّد طرفٍ في نزاعٍ عابر.
ولذلك، فإنّ من يُحارب هنا لا يُحارب من أجل مصلحةٍ آنية، ولا من أجل نفوذٍ مؤقت، بل من أجل قضيةٍ يراها جزءاً من وجوده، ومن معنى حياته. أما الطرف الآخر، فهو ـ مهما امتلك من أدوات القوة ـ يبقى أسير لحظته، يخشى المستقبل لأنه بلا جذورٍ تحميه، وبلا تاريخٍ يسنده.
وقد عبّر الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري عن هذه الحقيقة بقوله:
“الأمم التي تُبنى على الزيت، تذوب كالشمع حين ينضب”.
كما لخّص المفكر الثوري فرانتز فانون جوهر الصراع بقوله:
“الشعوب التي تُحارب من أجل قضية، لا تُهزم بالأسلحة”.
إنّها مواجهةٌ بين الصخر والزبد؛ الزبد قد يعلو، وقد يملأ السطح ضجيجاً وحضوراً، لكنه سرعان ما يتلاشى. أما الصخر، فيبقى، صامتاً لكنه ثابت، لا تهزّه الرياح، ولا تذروه العواصف.
وحين يُحارِب التاريخُ اللحظةَ، والعقيدةُ المصلحة، والجذورُ السطح، قد يطول الليل، وقد يشتدّ الظلام، لكن النتيجة لا تكون إلا واحدة: ما كان عابراً يزول وما كان متجذّراً يبقى.
وهكذا، تبقى الحقيقة التي لا تتبدّل:
حضارةٌ عمرها سبعة آلاف عام ليست رقماً… بل قدرٌ لا يُهزم.
