محمد مكي آل عيسى ||
مع أنّي على يقين أن الأحمق لا يعي ماذا يقول ولا يدرك بمَ يتلفّظ لكن الحقّ قد ينطقه وكما قيل ” وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود ” فعندما قال ترامب “إن حضارة كاملة ستموت اليوم” فإنه قد بيّن أوّلاً
أنّه يواجه (حضارة) معترفاً بها غصباً عنه بأنّها حضارة والحضارة لا يمكن بناؤها إلّا من خلال عقيدة وفكر ورقيٍّ علميّ ومن خلال منظومة أخلاقيّة وأنساق قيميّة مجتمعيّة ومن خلال فنّ وأدب وما شاكلهما من مظاهر حب الجمال واستشعاره وكلّ ذلك يمثّل لوناً من ألوان التقدّم البشري والرفعة
وحيث أن قوّة الحضارة وصمودها وثباتها أنّما يكون بمدى مطابقة متبنّياتها الفكرية والقيمية والسلوكيّة للواقع فقد بيّن ترامب أن الحضارة الغربيّة بفكرها الحداثوي المائل نحو العبثيّة والفوضويّة قد نحرت نفسها بنفسها وأنّ هناك حضارة أخرى تشرق بأمل جديد للإنسانيّة لتعلن أن طريق الخلاص لايزال سالكاً يمدّ يده لينقذ ما بقي من أشلاء الأبرياء ليوصلهم لجرف الإنسانيّة من جديد باعثاً فيهم روح الأمل.
والمفروض من قادة المجتمعات إن اتصفوا بالحكمة أن يسعوا لتعاضد الحضارات وتلاقحها من باب ” وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ”
لكن روح الاستبداد تأخذ بالحمقى لصراع الحضارات بدلاً من تعاضدها وهذا الأمر الثاني الّذي أظهره هذا الأحمق من حيث لا يشعر وهو أن عنجهيّة الغاب المتأصلة في نفسه تأبى إلاّ الصراع فترفض حضارته لفظ أنفاسها ولا تسمح لحضارة بديلة أن تكون هي رائدة حركة الإنسان على الأرض فيعمد لينهي حضارات الآخرين . .
لكن هيهات . . فالحضارة الطيّبة الحقّة “كشجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها” والحضارة الخبيثة كشجرة اجتثّت من فوق الأرض مالها من قرار”.
