عدنان أحمد الجنيد ||
اتفق للبسطامي، لمّا خرج في طلب الحق في أول أمره، أن لقيه بعض الرجال فقال له: ما تطلب يا بسطامي؟
قال: الله.
فقال له: “الذي تطلبه تركته ببسطام”.
• هنا تنبّه أبو يزيد البسطامي كيف يطلب الحق، وتجلى له قوله تعالى:
{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ} [الحديد: 4].
حينئذٍ رجع البسطامي إلى منزله في بسطام، ولزم خلوته، وظهرت نسمته بخلعة إلهية مرصّعة بحقائق الجمال، ومعلّمة بنقوش الجلال..
ثم برز للجلوة، فكان منه ما كان، حتى نال الخلافة الكبرى، قدّس الله سرّه.
• فائدة:
قد تقرأ في كتب القوم العارفين أن الشيخ الفلاني، لمّا رحل من موطنه إلى موطن آخر، حصل له الفتح..
فلا تظن أن الفتح لا يحصل للسالك إلا بالسفر عن الأوطان والتغرّب في البلدان،
أو أن الحق خارج أوطانهم، كما فعل البسطامي لمّا كان في هذا المقام في بداية أمره..
فالحق قد تجده في مكانك الذي أنت فيه، بل الحق فيك، وما عليك إلا أن تزيل عن قلبك قناع الأغيار، وسوف تظهر لك الأسرار والأنوار..
قال الإمام الباهوت – قدّس الله سرّه:
فقل للطالبين له أنيخوا
وقل للسائرين إليه عودوا
ألا إن الطريق إليه فيكم
فلا تنضوا الركاب ولا ترودوا
فإن لم تعرفوه بكم ضللتم
فلا باب إليه ولا وجود
نعم، هناك من المشايخ السالكين، لمّا فقدوا قلوبهم أو بعض أحوالهم في بداية سلوكهم، رحلوا عن أوطانهم إلى أماكن أخرى، فوجدوا قلوبهم، أو ردّ الله عليهم حالهم.
مثل أبي الغيث بن جميل، قدّس الله سرّه، لمّا فقد بعض أحواله، وذلك في أيام سلوكه، رحل من وطنه (محافظة الحديدة) إلى (تعز)، منطقة الوحيز (تسمى الآن صينة)، فقعد هناك في مسجد على مقربة من الولي الكبير، مدافع، قطب زمانه.. فردّ الله لأبي الغيث ما فقده من أحواله، ببركة العارف بالله مدافع..
وقد قلت في هذا الصدد قصيدة، نقتطف منها هذه الأبيات:
وابن جميل قد أتاه راجيًا
يشكو الغياب لحاله الرباني
فأعاد فيه مدافع ما قد فقد
وسقاه كأسًا ما له من ثانِ
هذا، ولتعلم أن اغترابهم أو سفرهم عن الأوطان لم يكن عن رغبة نفسية، أو سياحة شهوانية، أو بنية دنيوية،
بل لم يكن لهم اختيار في ذلك؛ لأن صاحب هذا الأمر ما سافر إلا بعد أن جدّ واجتهد في أن يجد قلبه مع ربه..
فهو بحث وسافر إلى المكان الذي ربما يجد فيه قلبه مع ربه في حاله؛ لأنه يعلم أن الله عالم بمصالح عباده منذ الأزل، حيث رتّب تعالى أمورًا، ووضع أسبابًا، فهناك من عباده من قدّر الله له أن يكون فتحه في بلاد كذا، أو في موطن كذا، أو بموضع كذا، أو بسبب كذا..
فكان ارتحال العبد وسفره سببًا لنيل المطلوب..
أضف إلى ذلك أن هناك من يفرّ من وطنه إلى وطن آخر خوفًا من تعظيم الناس له، لا سيما من اشتهر بالزهد وفعل الخير، فهو يخاف على نفسه أن تهلك؛ لأنه ما زال صاحب نفس،
أما العارف، فإن تعظيم الناس له لا يؤثر فيه؛ لأنه روح لا نفس له..
المهم: حيثما وجد السالك قلبه مع الله، أقام في أي موطن كان، سواء في وطنه أو في غير وطنه..
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
