د. حسين علي السلطاني ||
ثانياً : نتائج الحرب :
٣- كشف الزيف وسقوط الهيبة المصطنعة
سعت الولايات الولايات المتحدة الأمريكية ومؤسسات الصهيونية العالمية إلى خلق هالة للقدرة الأمريكيّة بأنّها القدرة التي لا تقهر ، ولايمكن مواجهتها والصمود أمامها ، وذلك من خلال إعتماد ( بروبگندا Propaganda ) إعلاميّة موجهة تهدف إلى التلاعب بعقول الناس ومشاعرهم من أجل خلق أوهام غير واقعية تقضي بتضخيم القدرة الامريكيّة وتهويلها من جهة و تقزيم خصومها وتشويههم من جهة أخرى ،
وقد إنطلى هذا الوهم والخداع على الكثير من أصحاب العقول الضعيفة والإرادات الواهنة ، لكن مجريات ونتائج الحرب الدائرة بين الجمهورية الإسلامية وحلفائها من جهة وأمريكا والكيان الصهيوني من جهة اخرى كشفت بوضوع زيف هذه المدعيات وبطلانها ، فمع مضي أكثر من شهر على بدإ الحرب لا تزال الجمهورية الإسلاميّة صامدة بوجه العدوان وتحقق خسائر كبيرة بأطرافه ، فقد وجهت ضربات موجعة للكيان الصهيوني وشلّت حركته الإقتصاديّة والتنمويّة وأوجدت هلعاً وذرعاً كبيرا في أوساط المجتمع الإسرائيلي ، كما وجّهت ضربات مباشرة لجميع القواعد الأمريكية في المنطقة وأخرجت أغلبها عن الخدمة ،
واثر ذلك فرّ جميع الرعايا الأمريكيين من دول غرب آسيا ، وبالتالي أضحت المنطقة شبه خالية من الوجود الأمريكي ، أما عن الخسائر الحربيّة فقد تمّ إسقاط العشرات من الطائرات المقاتلة والمسيّرة ، وتدمير العديد من الرادارات المتطورة ، وضرب حاملتين للطائرات وتم سحبهما من ساحة المعركة ، هذا ناهيك عن عدد القتلى في جنود وضباط كلا الطرفين ، مع القيود المشدّدة والتعتيم الكبير حول عملية النشر في هذا الموضوع ، أما في الحقل الإقتصادي فقد شكّل غلق مضيق هرمز أزمة إقتصاديّة عالميّة كبيرة .
و على الطرف الآخر فقد فشلت الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني فشلاً ذريعا في تحقيق جميع الأهداف التي أعلنوا عنها لهذه الحرب الظالمة ، فلايزال نظام الجمهورية الإسلامية قائماً ، وأضحى أكثر رسوخاً وتماسكاً ، وينظر إليه بعين التقدير والإجلال من قبل أغلب الشعوب المسلمة والحرة في هذا العالم ، وبات الشعب الإيراني أكثر إلتفافاً حول ثورته ودولته ، ولا تزال الصواريخ الإيرانية تدكّ أهدافا متعددة ومختلفة من مواقع أعدائها ، سواء العسكريّة منها أو اللوجستيّة ،
ولا تزال الدفاعات الجوية تتصدى بشجاعة لغارات العدو وتكبده خسائر جسيمة ولايزال الجنوب اللبناني صامداً ويدكّ العمق الإسرائيلي بمختلف الصواريخ والمسيرات ، ولم تستطع (٥) فرقٍ من الجيش الصهيوني مدجّجة باحدث الأسلحة أن تتقدم إلا بضع كيلومترات في الجنوب اللبناني الصامد .
إنّ هذا الفشل الذريع الذي واجهته أمريكا والكيان الصهيوني في هذه المعركة دفعهما للقيام بعمليات وحشيّة وجنايات ضد الإنسانية يحرمها القانون الدولي و تدينها الأعراف البشريّةً، حتى وصل اللأمر أن يتباهى الرئيس الأمريكي نفسه بضرب أحد الجسور الرئيسيّة التي تربط العاصمة طهران بمدينةًكرج ، يوفر خدمة نقليّة للمواطن الإيراني ، ويهدد علناً بضرب البني التحتية للطاقة ومحطات تحلية المياه ، وموانئ تصدير النفط ، وشركات إنتاج الغاز .
كل ذلك يكشف عن الحقائق الآتية :
– العجز عن مواجهة الجمهورية الإسلامية عسكرياً
– فشل أمريكا والكيان الصهيوني من تحقيق أهدافهم المعلنة لنشوب الحرب
– سقوط الهيبة للقوة الأمريكية والصهيونيّة في المنطقة والعالم
– عجز القواعد الأمريكية في المنطقة عن حماية نفسها ناهيك عن حماية الدول المتواجدة فيها هذه القواعد
– إنّ الصمود والثبات في الحروب والأزمات لايقف وراءه التفوق التسليحي والتطور المادَي فحسب بل يستند بدرجة أكبر إلى إيمان المجتمعات وثباتها وقوة إرادتها واستعدادها للتضحية والفداء من أجل عزتها وكرامتها وسيادة واستقلال بلدانها .
– لقد شكّلت هذه الحرب إدانة صارخة لكل الأنظمة السياسية التي لم تحقق عمليّة توازن الردع لبلدانها للحفاظ على سيادتها ومصالح شعوبها و بقيت إرادتها مرتهنة لغيرها،
فاستقلال البلدان وعزة الشعوب لا تتحقق بالإنبطاح ، وشعارات الحياد ، والوقوف على التل ، ولغة المهادنة والخضوع بل تتحقق بما أراده الله من المؤمنين في تهيئة كل عوامل القوة والإقتدار في واقعهم (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ……)
– إنّ الثبات والقدرة على الصمود يستند إلى إيمان الانسان بقيمه ومبادئه و ثقته بنفسه قبل أيّ شئ آخر ( قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ )
أخيرا : إنّ الجمهورية الإسلامية تخوض ملحمة تأريخية وتسطر خلالها مواقف مشرفة في العزة والإباء ودروسا بليغة في الاستعداد والصمود ، فلم يشغلها كل واقعها الاستثنائي – الاقتصادي والاجتماعي والأمني – من بناء قدراتها العسكرية بإمكاناتها الذاتيّة ، ولم يرهبها كل إصطفاف الباطل ضدها لإيمانها بقضيتها وأهدافها ،
صحيح قدّمت الكثير من التضحيات وخسرت الكثير من موارد بلدها لكنّها بالمقابل حافظت على شرفها وكرامتها ولم تستسلم لإرادة الطغيان والتوحش ( ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين * إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم اللهُ الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لايحب الظالمين وليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين ) آل عمران : ١٤٠ – ١٤١
