قاسم الغراوي ||
في لحظة تبدو فيها المنطقة على حافة إعادة تشكيل كبرى جاءت الشروط الإيرانية العشرة المطروحة عبر الوسيط الباكستاني لتكشف أن ما يجري ليس مجرد سعي لوقف حرب فقط بل محاولة لإعادة رسم قواعد اللعبة في الشرق الأوسط .
القراءة لهذه البنود توحي بأنها مبادرة لوقف إطلاق النار لكن التمعّن فيها يكشف شيئاً مختلفاً تماماً فنحن أمام مشروع سياسي متكامل يتجاوز منطق الهدنة إلى فرض معادلة إقليمية جديدة بشروط إيران.
ما يلفت الانتباه هو أن طهران لم تطرح وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار بل اشترطت وقفاً دائماً ونهائياً للعمليات العسكرية ضدها لانها لاتثق بامريكا ووعودها وبتوقيتاتها بالتوازي مع إنهاء العدوان على عدة ساحات في آن واحد.
هذا الربط بين الجبهات ليس تفصيلاً ، بل يعكس رؤية واضحة وهي لا يمكن تفكيك الصراع إلى ملفات منفصلة بل يجب التعامل معه كحزمة واحدة مترابطة حرصاً منها على الاستقرار والسلام بعيدا عن التهديدات والاعتداءات المتكررة .
تحاول إيران نقل المعركة من الميدان العسكري إلى طاولة السياسة وهي تفعل ذلك من موقع يسعى لفرض شروط المنتصر لا شروط الطرف الباحث عن تسوية تخير فيها وقدمت من اجله التضحيات على مستوى كبير .
البنود الاقتصادية في المقترح تكشف بدورها جوهر المعركة الحقيقي اذ ان المطالبة برفع العقوبات بشكل كامل وتحرير الأصول المجمدة ودفع تكاليف إعادة الإعمار ليست مجرد مطالب إنسانية أو قانونية بل تعبير صريح عن إدراك عميق بأن الاقتصاد هو ساحة الصراع الأهم وطهران هنا لا تريد فقط وقف الحرب بل تريد إزالة آثارها بالكامل التي تسببت فيها امريكا والكيان .
أما إدراج مضيق هرمز ضمن الشروط فهو رسالة استراتيجية بامتياز وورقة ضغط وهذا الممر الحيوي الذي يمر عبره جزء كبير من نفط العالم يتحول في الخطاب الإيراني إلى ورقة تفاوض مركزية وهو أمن الطاقة العالمي مقابل الاعتراف بالدور الإيراني وضمان مصالحه.
في البند المتعلق بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي تقدم إيران إشارة ذكية للمجتمع الدولي مفادها أنها مستعدة لتقديم ضمانات كبرى لكن ليس مجاناً بل ضمن صفقة شاملة تعيد تعريف موقعها في النظام الإقليمي والحصول على حقوقها التي تسعى لتحقيقها .
اختيار باكستان كوسيط لم يكن خطوة عابرة فإسلام آباد بوصفها دولة نووية وتحتفظ بعلاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة وطهران تمثل قناة مثالية لتمرير رسائل حساسة دون تصعيد مباشر واعتقد إنها دبلوماسية الظل حيث تُختبر النوايا بعيداً عن الضجيج الإعلامي.
واشنطن لن تقبل بسهولة برفع شامل للعقوبات أو دفع تعويضات كما أن (أطرافاً إقليمية) أخرى لن توافق على ربط كل الجبهات ضمن تسوية واحدة إضافة إلى ذلك فإن الحديث عن إنهاء كل نزاعات المنطقة يبدو أقرب إلى الطموح منه إلى الخطة القابلة للتطبيق.
وهنا تتضح الصورة الحقيقية وهي ان هذه الشروط الايرانية ليست عرضاً نهائياً بل سقف تفاوضي مرتفع للحصول على حقوقها وإنها خطوة أولى في لعبة شد الحبال حيث ترفع إيران مطالبها إلى الحد الأقصى لتفتح المجال لاحقاً لمفاوضات تدريجية بحيث تحصل على ما تريد .
في المحصلة ما قدمته طهران ليس مبادرة لوقف الحرب بقدر ما هو إعلان عن رؤيتها لنظام إقليمي جديد ، نظام تعترف فيه القوى الكبرى بدورها وتُرفع فيه القيود الاقتصادية عنها وتُعاد فيه صياغة معادلات القوة.
فهل ستتوقف الحرب؟
وعلى أي شكل من النظام الإقليمي ستتوقف؟
