د. علي المؤمن ||
10- إنّ ولادة الإمام الثاني عشر، محمد بن الحسن المهدي، وحياته تمثّل حقيقة يقينية ضمن هذا البناء العقدي، وأنه خلال المرحلة الأولى من حياته التي امتدت قرابة سبعين عاماً، كان على صلة مباشرة بنوّابه الأربعة وببعض معتمديه، في إطار نظام خاص من التواصل والتمثيل.
ويُستدل على ذلك بدليل الإمكان العقلي، إذ لا يوجد أي تناقض منطقي في افتراض امتداد العمر أو خفاء الشخص مع استمرار دوره وفاعليته ضمن النظام الإلهي للبشر. كما يدعمه دليل الشهادة التاريخية المنقولة عبر جماعات متعددة، بما يقترب من التواتر المعنوي، حيث تواتر الروايات والأخبار حول وجوده واتصاله بالنوّاب في مختلف المناطق، ما يعزز صدقية الحدث من منظور علمي للمنهج التاريخي.
ويُضاف إلى ذلك دليل الوظيفة العقدية، إذ إن استمرار الحجة الإلهية في الأرض ينسجم مع مبدأ الهداية المستمرة للبشر، وهو مبدأ يتفق مع منطق النظم الكونية القائمة على الاستمرارية والتسلسل في العناية الإلهية. كما يؤكد دليل النظم التمثيلية أن وجود شبكة من النواب والمديرين المعتمدين ينسجم مع طبيعة إدارة الغياب المنظّم، حيث يمكن لنظام مركزي محكم، قائم على التمثيل والتفويض، أن يضمن استمرار القيادة، ويحقق الفاعلية العملية في غياب الإمام، بما يتوافق مع قواعد الإدارة الحديثة ونظريات النظم الاجتماعية والوظيفية التي أثبتتها العلوم التجريبية والاجتماعية الحديثة.
وككثير من المعتقدات الدينية المستندة ـ في إيمان المؤمن بها ـ إلى قاعدة الغيب، فإنّ الأصل في الإيمان بوجود الإمام المهدي الغائب، وإنّه حي يرزق، وبظهوره وعصره، هو الإعجاز الغيبي. وحقيقة الأُمور الغيبية هي في علم الله، ويبقى العقل البشري قاصراً عن معرفة حقيقة حكمته في خلقه وشرائعه وعقائده، وفي الظواهر التي يتحكم بها، كما أنّ العقل قاصر عن فهم ملايين الظواهر الكونية والأرضية، بل قاصر عن التوصل إلى حل أبسط المشاكل التي لا تزال تقض مضجع البشرية.
وعدم رؤية الظواهر والوقائع، وعدم الإحساس بآثارها أو عدم فهم أسرارها، لا يعني عدم وجودها وعدم فائدتها وعدم أهميتها، بل يعني أنّ عقلنا لم يتوصل بعد إلى وعيها وحل ألغازها وأسرارها. أمّا لماذا لم يتوصل العقل البشري؟ فهي حكمة أُخرى وسر آخر من أسرار الله في خلقه، كما ذكرنا في فقرة سابقة.
ويؤمن المسلمون، بما شرّعه الله في كتابه الكريم، وبما أشار إليه الحديث من عقائد وأحكام، ويتعبدون بها، حتى وإن لم تتوصل عقولهم إلى إدراك أسرارها، والأمثلة على ذلك كثيرة جداً، ومنها سر بعثة الرسول الخاتم في مكة وليس في الهند مثلاً، وأنّ هذا النبي عربي وليس صينياً، وأنّ نسله من ابنته السيدة فاطمة وليس من أولاده الذكور الذين درجوا في حياته.
ثم أسرار واقعتي الإسراء والمعراج وحقيقتهما، وحكمة أنّ عدّة الصوم ثلاثين يوماً وليس عشرين يوماً، وأنّه يقع في شهر رمضان وليس شعبان، وأنّ صلاة الصبح ركعتان والمغرب ثلاثة وليس العكس، وأنّ الطواف حول الكعبة سبعة أشواط وليست خمسة، وأنّ عدد أئمة آل البيت اثنا عشر وليسوا تسعة.
نعم، هناك آراء كثيرة حول أسرار هذه الوقائع والمعتقدات والأحكام وعللها ومقاصدها، لكنها ليست بالضرورة كاشفة عن العلة الحقيقية التي يعلمها الله فقط، ولم يتوصل العقل إلى حكمتها حتى الآن. وبما أنّ جوهر الدين هو الإيمان بالغيب والإعجاز الإلهي، فيجب أن يتعبّد المسلم بكل أحكامه ومعتقداته، وليس ببعضها دون الآخر.
وبالتالي، تأتي المقاربات البشرية، عبر الأدلة النقلية أو العقلية والفلسفية؛ للتوصل النسبي إلى عللها وكنهها وحقائقها وآثارها، ومنها موضوع الإمام المهدي، وهو ما اجتهد فيه كثير من علماء المسلمين والباحثين، منذ بدء غيبته الصغرى في العام وحتى الآن.
وإذا كانت الأدلة النقلية التي تتطابق مع عنصر الإعجاز الغيبي، تؤكد أنّ الوجود الزمني للإمام المهدي في عصر الغيبة واجبٌ، وظهوره حتمي، وعصره لا بدّي، وأنّ عدمه ممتنع ومحال، وأنّ حالات نظيرة أُخر، لا تزال قائمة أيضاً منذ آلاف السنين، كعمر نوح وغيبة الخضر وعروج عيسى، وأنّ الخضر حي يرزق في الأرض، فإنّ الأدلة العقلية، الكلامية والفلسفية، بما فيها الدليل الاستقرائي، تقود إلى أنّ غياب الإمام المهدي وطول عمره ممكن، ولا يتعارض مع الفرضيات العقلية والفلسفية، بل إنّها تعضِّد وجوده وظهوره.
11- إنّ النيابة عن منصب الإمام، في عصر غيابه، قد آلت إلى النواب العامين، وهم علماء الشريعة من المحدّثين والفقهاء، الذين يمثّلون الامتداد الوظيفي للقيادة الدينية والاجتماعية في المجتمع الشيعي، كلٌّ في عصره، وقد استقرّ الاصطلاح لاحقاً على تسميتهم بـ«المراجع»، بوصفهم مرجعيةً علميةً وعمليةً للتقليد والاتباع.
وفضلاً عن النصوص الواردة عن النبي محمد والأئمة في هذا المجال؛ فإن ما يُعزِّز ذلك دليل الضرورة الاجتماعية؛ إذ لا يمكن أن يستمر مجتمع ديني بلا مرجعية تنظّم شؤونه. كما يدل عليه دليل التخصص المعرفي؛
إذ إنّ فهم النصوص واستنباط الأحكام يحتاج إلى خبرةٍ علميةٍ عميقة. ويُضاف إلى ذلك دليل التفويض العقلائي؛ حيث يرجع الناس في شؤونهم المعقّدة إلى أهل الخبرة. كما يؤكّد دليل الاستمرارية أنّ هذا النظام يوفّر امتداداً عملياً للقيادة في زمن الغياب.
12- إنّ الشريعة الإسلامية قد فوّضت المسلمين، في كل زمان ومكان، بممارسة الاجتهاد في استنباط النظريات والنظم التي تنظّم حياتهم وعلاقاتهم، مع الاستفادة من تجاربهم التراكمية، ومن الخبرة الإنسانية العامة، شريطة أن تنسجم هذه الاجتهادات مع واقعهم، وألّا تتعارض مع الثوابت القطعية المستمدة من القرآن الكريم والصحيح من السنة.
ويُستدلّ على ذلك بدليل مرونة النص الإسلامي؛ إذ إنّ النصوص الكلية تحتاج إلى تفعيلٍ اجتهادي لمواكبة المتغيرات. كما يدل عليه دليل تغيّر الموضوعات؛ إذ إنّ الوقائع المستجدة تفرض استنباط أحكام جديدة ضمن الأصول. ويُضاف إلى ذلك دليل العقل العملي؛ الذي يقتضي تنظيم الحياة وفق أفضل ما يصل إليه الإنسان من خبرة ومعرفة. كما يؤكّد دليل التوازن بين الثابت والمتغيّر أنّ بقاء الشريعة فاعلةً يقتضي الجمع بين الأصول الثابتة والتطبيقات المتجدّدة.
(التتمة في القسم القادم)
