د. علي عبد الله الدومري ||
*1. المقدمة*
لم تفشل الوحدة اليمنية كفكرة دولة واحدة، لكن العقد السياسي والإداري الذي قامت عليه شابه التصدع. فكانت النتيجة احتقاناً وتذمراً شعبياً ونخبوياً انفجر عسكرياً في عام 1994، وبقي أثره قائماً بعدها. الخلل كان في آلية التنفيذ والدمج السريع، وليس في مبدأ الوحدة نفسه.
*2. أسباب الاحتقان والتعثر*
*أ. أخطاء في إدارة المرحلة الانتقالية*
– *السرعة المفرطة*: إعلان الوحدة خلال أربعة أشهر من الاتفاق السياسي، دون خطط جاهزة لدمج الأجهزة.
– *غياب التحضير المؤسسي*: بدأ الدمج العسكري والإداري قبل توحيد القوانين والعملة والمرتبات، فنتجت ازدواجية في السلطة.
– *نقص الخبرة*: كانت النخب قادرة على التفاوض السياسي، لكنها تفتقر إلى خبرة إدارة تحول دولة بحجم اليمن.
*ب. العزلة الإعلامية والتواصلية*
– *وسائل إعلام محدودة ومجزأة*: كان تلفزيون صنعاء وعدن يغطيان منطقتيهما فقط، دون قناة موحدة. أما الصحافة فكانت ورقية محدودة التوزيع، حصراً في المدن ولدى النخب.
– *غياب الشفافية*: جرى عمل اللجان بصمت، فامتلأ الفراغ بالإشاعات وفقدان الثقة.
– *انعدام البنية التقنية*: لم يكن هناك إنترنت ولا هاتف ولا بث فضائي، وكانت الكهرباء غير مستقرة خارج المدن.
*ج. ضعف البنية التحتية واللوجستية*
– الطرق بين المحافظات ضعيفة، مما منع توزيع الصحف والنشرات خارج المدن.
– حالت محدودية الموارد الاقتصادية دون بناء شبكة اتصالات وبث تغطي كامل الخارطة.
– النتيجة: تحولت الوحدة إلى “مشروع مدن”، وبقيت بقية مناطق اليمن تتلقى الخبر متأخراً ومشوهاً.
*3. الاستثناء الناجح: توحيد المنهج الدراسي*
نجح توحيد المنهج لأنه:
– لا يمس مباشرة بسلطة النخب ومواقعها.
– أثره تراكمي وبطيء، فلم يولد مقاومة فورية.
– سهل التنفيذ لوجستياً مقارنة بملفات الجيش والمال.
*الدرس*: الملفات “الناعمة” التي تبني الهوية تنجح أسرع من الملفات “الصلبة” التي توزع السلطة والثروة.
*4. النتيجة الميدانية*
– *1990-1993*: قيام وحدة سياسية، مع تراجع الثقة الشعبية في بعض المحافظات.
– *1994*: انفجار عسكري نتيجة تراكم الاحتقان.
– *ما بعد 1994*: استمرت الدولة ، لكن الثقة السياسية بين النخب لم تعد تخللها التصدع
*5. الدروس العملية لأي مشروع وحدة أو اندماج*
1. *المؤسسات قبل السياسة*: يجب أن يسبق الدمج المؤسسي للجيش والإدارة والقانون الإعلان السياسي، عبر مرحلة انتقالية مدتها 2-3 سنوات.
2. *الشفافية الإعلامية تبني الثقة*: إنشاء قناة موحدة تبث يومياً ما تقرره اللجان، حتى لو كان الإنجاز بسيطاً.
3. *البنية التحتية تسبق المشروع السياسي*: إن إنشاء الطرق والكهرباء والاتصالات والبث الذي يصل إلى جميع المحافظات شرط أساسي لشعور الناس بالمشاركة.
*الخلاصة*
لا تزال الفرص سانحة لمعالجة الاختلالات التي رافقت المرحلة الانتقالية بعد إعلان الوحدة، بمختلف الوسائل والإمكانات المتاحة. وقد تحققت اليوم وتوفرت وتكاملت كثير من المتطلبات التي كانت غائبة لحظة الإعلان، مما يسهل عملية تصحيح المسارات برؤى علمية حديثة مواكبة وعادلة.
