القاضي حسين بن محمد المهدي. عضو رابطة علماء اليمن
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}
الذكر يقوي الإيمان، ويرفع من مكانة الإنسان، فهو شرف للذاكرين، وعدة للصابرين، وعون للمتقين، فمن ذكر الله ذكره وأعانه على أمر دينه ودنياه {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ}.
فهو يزيل الهم والغم من حياة المؤمن الذي يذكر الله، فهو إذا ذكر الله ذكره. وفي الحديث النبوي: “مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ مِنَ النَّاسِ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ”.
فالذكر غذاء الروح؛ لأنه يمد النفس الإنسانية بالسكينة والاطمئنان، {الَّذِينَ آمَنُوا وَ تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّـهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
إن هذه الطمأنينة التي يورثها الذكر ليست استسلاماً أو عزلة، وإنما هي وقود الصمود والثبات الثوري الذي تحتاجه الأمة اليوم وهي تواجه غطرسة المشروع الصهيوني،
فالذكر أساس الفلاح
وقد أمر الله بحج بيته من أجل ذكره وتعظيمه، {وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَ عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّـهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ}. فالأيام المعلومة هي عشر ذي الحجة، فقد ورد في الحديث: “ما من أيامٍ العملُ الصالح فيها أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ”.
فذكر الله سبب لحصول السعادة في الدنيا والآخرة، وقد جاء في الحديث النبوي: “مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ”. وقد جاء في حديث آخر: “مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ”. فسبحان مَنْ مَنَّ وهدانا لذكره، وأرشدنا لحمده وشكره.
سبحانك اللهم من رب رحيم ** علمتنا وهديتنا يا رب للذكر العظيم
وأمرتنا بعظيم ذكرك يا حليم ** ليكون لنا سبباً لذكرك بالاسم الكريم
قدسية النفحات منك أتت لنا ** في عشر ذي الحجة بالذكر الحكيم
فجميل ذكرك ربنا وإلهنا ** نهفو إليه لندرك المجد العظيم
فالذكر آية ربنا الكبرى ** ونعمته العظمى به الخير العميم
قم ناج ربك إن أردت كرامة ** واسجد له في دجى الليل البهيم
فعساك تظفر بالسعادة كلها ** وتنال ما ترجوه من خير عظيم
سُبحانَكَ اللَّهُمَّ يا ربَّ السَّما ** يا مَن بفضلِكَ أشرقتْ سُبُلُ النَّعيمِ
أنعمتَ بالذِّكرِ الجليلِ تكرُّمًا ** فغدا به القلبُ الكئيبُ إلى النعيمِ
وجعلتَ فيهِ طمأنينةَ مؤمنٍ ** يهفو إليكَ بخشيةِ القلبِ السَّليمِ
ما خابَ عبدٌ في الدُّجى ناجاكَ ** نالَ الرِّضا وارتاحَ من همٍّ أليمِ
فالذكر في العشر من ذي الحجة وفي جوف الليل يقوي الإيمان ويعلي شأنه، وقد جاء في الحديث النبوي الشريف: “أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الْآخِرِ ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ”. فهو يحط الأثقال ويذهب الأوزار. وجاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: “سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ”.
قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ”. وفي رواية الترمذي: قَالُوا: وَمَا الْمُفْرِدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “المستهترون بذكر الله، يَضَعُ الذِّكْرُ عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ، فَيَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِفَافًا”. فهو آية من آياته الكبرى ونعمة من نعمه العظمى.
الذِّكرُ بابُ اللهِ أعظمُ نعمةٍ ** فيهِ الهدايةُ للبيب وللحكيمِ
وبه تُضاءُ النَّفسُ بعدَ ظلامِها ** ويطيبُ عيشُ العابدِ التواق للفضل العميم
في عشرِ ذي الحجّة فاضَتْ رحمةٌ ** وتجلّتِ الأنوارُ من ربٍّ رحيمِ
فأكثِرْ بها التهليلَ والتكبيرَ والحمد لله ** الذي أولى العبادَ بالجود العميم
واخفضْ جناحَ الذلِّ بين يدي الإلهِ ** وقلِ الدعاءَ بقلبِ مُفتقرٍ سليم
فلربَّ ذكرٍ في السَّحَرْ أحيا فتىً ** فنجا من الكرب العظيم
يا ربُّ فاجعلْنا من الذاكرينَ في ** ليلِ الحياةِ ودربِها المؤذي العقيمِ
واحشُرْ عبادَكَ في ظلالِ كرامةٍ ** عندَ النبيِّ وآلهِ الأطهار في الحشر العظيم
ففي ذكر الله الخير الوفير، والأمان من العذاب السعير. فالذكر لله مظهر لمعرفة الإنسان لخالقه ورازقه ومعينه وموفقه، وبه يتقرب إلى الله طالباً رحمته وعفوه وفضله ونصره وإحسانه. فأية كرامة أعظم من قوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ}.
سُبْحَانَ مَنْ أَحْيَا القُلُوبَ بِذِكْرِهِ ** وَأَنَارَ مَحْلَ النَّفْسِ بِالفَيْضِ العَمِيمْ
فَالذِّكْرُ رَوْحٌ لِلنُّفُوسِ وَبَلْسَمٌ ** يَشْفِي الفُؤَادَ الصَّبَّ مِنْ جَوًى سَقِيمْ
وَافَتْكَ نَفْحَاتُ القَدَاسَةِ وَالهُدَى ** فِي عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ بِالْفَضْلِ الجَسِيمْ
فِيهَا أَنَارَ لَنَا الكِتَابُ معالماً تَهْدِي الأَنَامَ إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمْ
قُمْ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ وَادْعُه مُتَبَتِّلاً ** نَاجِ الرَّؤُوفَ بِمَدْمَعٍ جَارٍ سَجِيمْ
وَاسْجُدْ لَهُ عَفْرَ الجَبِينِ تَذَلُّلاً ** وَاطْلُبْ قِرَاهُ مِنَ المَهِيْمِنِ وَالكَرِيمْ
فَعَسَاكَ تَظْفَرُ بِالرِّضَا وَبِنَفْحَةٍ ** تَنْجُو بِهَا يَوْمَ المَخَاوِفِ وَالجَحِيمْ
وَتَفُزْ بِعِلِّيِّينَ فِي غُرَفِ العُلَى ** نِعْمَ المَثُوبَةُ فِي جِنَانٍ مِنْ نَعِيمْ
فالذي أمد الإنسان بمال وبنين هو المتصرف في الكون كيف يشاء، يأمره بذكره كي يذكره ويعطيه ويتفضل عليه ويعافيه، ويعزه ويهديه {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وَ سَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً، هُوَ الَّذِي يُصَلِّليكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}.
إن هذه الطمأنينة الساكنة التي يورثها الذكر في جوف الليل، وتلك الأنوار التي تفيض بها عشر ذي الحجة، ليست انكفاءً على الذات أو هروباً من الواقع إلى صومعة العزلة، وإنما هي الشحنة الروحية والمدد الإلهي الذي يصنع صمود الأمة في ميادين المواجهة، ويثبّت أقدام السائرين في دروب الحرية والكرامة.
ونحن في هذه الأيام العصيبة، التي نشاهد فيها فصول العدوان الصهيوني الغاشم المتكالب على جبهات أمتنا الحية في فلسطين الصامدة، ولبنان المقاوم، والجمهورية الإسلامية في إيران، ويمن الإيمان والحكمة؛ ندرك عمق الحاجة الإستراتيجية للذكر.
فالذكر في جوهره وفلسفته السياسية هو نقيض “الغفلة”، هو اليقظة التامة لمخططات الأعداء، والوعي بمكائد الاستكبار العالمي، والتحصين العقائدي للنفس ضد الحرب النفسية وهزيمة الداخل.
إن الأمة اليوم بحاجة ملحة إلى الاستجابة لجملة هذا الذكر؛ بالدعاء المخلص الذي يوحّد الصفوف، ويرفع البلاء، ويمد المجاهدين بمدد الصبر والثبات. فالدعاء سلاح المظلومين، وباب النصر الذي فتحه مالك الملك حين قال في محكم كتابه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، فمن أخلص لله بالدعاء والعمل، ظفر بمراده وتحطمت على صخرة وعيه غطرسة أعدائه.
لقد وضع القرآن الكريم معادلة النصر العسكري مشروطة بالذكر واليقظة، فلم يطلب من المجاهدين الثبات المادي فحسب، وإنما قرنه بالاتصال الدائم بمصدر القوة المطلقة، فقال تعالى موجهاً لكتائب الحق: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}. إنها الدعوة لربط الحركة الجهادية في الأرض بالمدد الغيبي من السماء.
إن معركتنا اليوم مع المشروع الصهيوني وحلفائه ليست معركة عتاد وسلاح فحسب، وإنما هي معركة إرادات وهويات، والذكر هو حارس هذه الهوية وضامن هذه الإرادة. فالمهيمن على كل شيء، الذي بيده ملكوت السموات والأرض، إذا وعد صدق وعده ونصر عبده، ولن تخلف السنن الإلهية ميعادها، وحتمية التاريخ تنطق بـقوله: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}. فليكن ذكرنا في محراب الليل، وقوداً لثباتنا في جبهات النهار.
