حسن عبد الهادي العڰيلي ||
ما حمله توم باراك إلى بغداد لم يكن رسائل دبلوماسية بالمعنى المتعارف عليه، ولم يكن مجرد مذكرات تفاهم تُودَع في أدراج الوزارات وتنتظر التوقيع.
كان في حقيقته مشروعَ إعادة هيكلة للدولة العراقية من قاعدتها إلى قمّتها، وصياغةً جديدة لشروط الوجود السياسي في بلاد اعتادت منذ عقدين على أن تعيش في الفضاء الرمادي الذي يفصل بين الدولة الرسمية ودولة الظل. عشر وصايا في ظاهرها مطالب، وفي باطنها اختبار حقيقي لمدى قدرة الحكومة العراقية على أن تكون دولةً فعلاً، لا مجرد عنوان على خارطة.
ولا يمكن لأي قراءة متأنية لهذه الوصايا أن تتجاهل أنها تستهدف في عمقها ثلاثة أركان متشابكة: السلاح خارج إطار الدولة، والمال خارج إطار القانون، والنفوذ خارج إطار المؤسسة. وهذه الأركان الثلاثة هي بالضبط ما قامت عليه منظومة ما بعد 2003، وما أفرز الحالة الهجينة التي يصفها كثيرون بالدولة دون أن يجرؤوا على تسمية ما يعتريها. فحين تطالب واشنطن بنزع السلاح من الفصائل ووضعه تحت سلطة القائد العام، فهي تطالب في الواقع بإعادة كتابة معادلة القوة التي نشأت في سياق الفراغ الأمني الذي خلّفه الاحتلال الأمريكي ذاته، وهو فراغ لم يكن العراق ليملأه وحده لولا ما أسبغه حلفاؤه من دعم وإسناد في أحلك لحظاته.
الفصائل المسلحة لن تقف متفرجةً أمام بنود تمسّ جوهر وجودها. فالسلاح بالنسبة لهم ليس أداةً عسكرية يمكن تسليمها بمرسوم، بل هو هوية أيديولوجية وضمانة سياسية نبعت من رحم مرحلة كادت فيها الدولة العراقية أن تُبتلع من قِبَل مشروع داعش التكفيري. وإحالة قادة الحشد إلى التقاعد تعني عملياً هدم منظومة نفوذ بنتها إرادة شعبية حقيقية استجابةً لفتوى الجهاد الكفائي، وتفكيك شبكات مصالح تمتد من الاقتصاد إلى القضاء إلى البرلمان. وهذا الرفض لن يأتي بالضرورة في صورة تمرد مسلح في مرحلته الأولى، بل سيأتي من خلال الضغط السياسي والتهديد الضمني وإشعال الشارع، وهي أسلحة أثبتت فاعليتها أكثر من مرة في ثني الحكومات العراقية عن قراراتها.
وفي هذا السياق لا يمكن إغفال أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت وما زالت شريكاً استراتيجياً للعراق في أحرج لحظاته، فحين كانت عواصم العالم تتردد وتتحسب، وحين كانت الأسلحة الأمريكية تصل بالقطارة أو لا تصل، كانت طهران تفتح مخازنها ومعابرها دون شروط تعجيزية لدعم العراق في مواجهة الإرهاب. هذه الشراكة ليست نفوذاً مفروضاً بل هي علاقة جوار وتاريخ ومصير مشترك، وأي محاولة لتصويرها بوصفها تدخلاً سلبياً إنما تخدم أجندات الفتنة التي لا يرغب فيها العراقيون ولا الإيرانيون.
لكن في المقابل، لا يصح أن يُقرأ موقف واشنطن هذه المرة على أنه ضغط دبلوماسي عابر كما اعتاد العراقيون على رؤيته. فالتهديد بعقوبات تطال الجميع، مقروناً بحمل ملف مارك سفايا الذي قد يمسّ رؤوساً كبيرة، يشير إلى أن الإدارة الأمريكية جادة في هذه الجولة بمستوى يتجاوز المناورة التفاوضية المعتادة. وما يزيد المشهد تعقيداً أن هذه الوصايا جاءت في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حين تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب أوراقها في المنطقة بعد أن تكشّفت حدود نفوذها أمام محور المقاومة الذي أثبت أنه ليس وهماً بل معادلة راسخة في الجغرافيا والسياسة.
أمام هذه المعطيات المتشابكة، يبدو أن الحكومة العراقية ستلجأ إلى ما يمكن تسميته بـ”الامتثال الانتقائي المتدرج”، وهو خيار لا تفرضه الرغبة بل يفرضه منطق البقاء السياسي. ستتقدم الحكومة نحو البنود الأقل إشعالاً للمواجهة الداخلية، كإيقاف المصارف المتورطة في غسيل الأموال، وملف تهريب النفط الذي يحمل غطاءً قانونياً داخلياً، والشراكة الأمنية والقرض المالي اللذين يصبّان في مصلحتها المباشرة. في حين ستؤجّل أو تُجمّد البنود الأشد انفجاراً من خلال لغة “الحوار الداخلي” و”التسلسل الزمني للإصلاح”، وهي لغة أتقنتها الحكومات العراقية المتعاقبة في التعامل مع الضغوط الخارجية.
والخطر الحقيقي في هذا المسار أن واشنطن إن أصرّت على التنفيذ الكامل في ظل مهل زمنية محددة، فإن الحكومة العراقية ستجد نفسها في عين العاصفة لا على أطرافها، مضطرةً إلى الاختيار بين علاقاتها مع شركائها الإقليميين الطبيعيين وبين مطالب من يرى في العراق ساحةً للنفوذ لا شريكاً ذا سيادة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية التي تُختبر فيها إرادة الدولة أمام الاستحقاقات الكبرى، عادةً ما يكشف العراق عن طبيعة معادلته الجوهرية: هل هو دولة تفاوض من موقع السيادة وتصون علاقاتها بما يخدم شعبها، أم ساحة يتفاوض فيها الآخرون بدلاً عنه وعلى حسابه؟ والجواب عن هذا السؤال هو ما ستحدده الأسابيع والأشهر القادمة، في ضوء ما ستُقدم عليه الحكومة العراقية من خطوات لا ما ستُعلنه من تصريحات.
