الكاتب والمحلل السياسي أثير الشرع ||
تمر الأعوام وتبقى بعض الأحداث أكبر من أن تتحول إلى مجرد ذكرى، فهناك وقائع تترك آثارها في الذاكرة الوطنية لعقود طويلة، لأنها لا تمثل خسارة بشرية فحسب، بل تكشف حجم التحديات التي واجهتها الدولة والمجتمع في لحظات مصيرية من تأريخهما،
ومن بين تلك الأحداث تأتي مجزرة سبايكر التي وقعت في حزيران 2014، لتبقى واحدة من أكثر الجرائم دموية وإيلاماً في تأريخ العراق الحديث؛ ماذا حدث في سبايكر؟ بعد إنهيار القطعات العسكرية في مدينة الموصل وسيطرة تنظيم د١عش على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، تعرض آلاف المتدربين العسكريين في قاعدة سبايكر الجوية قرب مدينة تكريت إلى عمليات إختطاف وقتل جماعي نفذها التنظيم الإرهابي بمشاركة عناصر ومتعاونين معه في المناطق التي كانت تحت سيطرته آنذاك، وقد قُتل الآلاف من الشباب العراقيين الذين كانوا في بداية حياتهم العسكرية، في جريمة هزت ضمير العراقيين بل سائر الشعوب وأثارت موجة واسعة من الحزن والغضب داخل البلاد وخارجها.
♦️لماذا وقعت الكارثة؟
لم تكن سبايكر حادثاً منفصلاً عن السياق العام الذي كان يمر به العراق في تلك المرحلة، بل جاءت نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، أول تلك العوامل كان الإنهيار الأمني السريع الذي رافق سقوط الموصل، وما نتج عنه من إرتباك في القيادة والسيطرة العسكرية،
ما العامل الثاني فتمثل في التقديرات الخاطئة لحجم الخطر الذي كان يمثله تنظيم د١عش، إذ لم تكن المؤسسات الأمنية والعسكرية مستعدة لحجم الهجوم الذي تعرضت له، كما كشفت الأحداث وجود ثغرات كبيرة في منظومة إدارة الأزمات وإتخاذ القرار، الأمر الذي أدى إلى وقوع آلاف المتدربين في قبضة التنظيم الإرهابي.
♦️من المسؤول؟
من الناحية القانونية والقضائية، فإن المسؤول الأول والمباشر عن الجريمة هو تنظيم د١عش الإرهابي والعناصر التي شاركت في تنفيذ عمليات القتل والإختطاف، لكن على المستوى السياسي والإداري، ظلت هناك تساؤلات كبيرة حول الظروف التي سبقت وقوع المجزرة، وحول طبيعة القرارات التي أتخذت آنذاك، ومدى وجود تقصير أو أخطاء في إدارة الملف الأمني والعسكري، وقد شهدت السنوات اللاحقة تحقيقات ومحاكمات عديدة طالت عدداً من المشاركين في الجريمة، إلا أن الجدل السياسي بشأن بعض تفاصيلها وأبعادها أستمر حتى اليوم.
♦️أهداف الجريمة..
لم يكن الهدف من مجزرة سبايكر مجرد القتل الجماعي، بل كان جزءاً من إستراتيجية أتبعها تنظيم د١عش تقوم على نشر الرعب وإظهار القوة وكسر معنويات الدولة العراقية، أراد التنظيم أن يوجه رسالة مفادها أن مؤسسات الدولة عاجزة عن حماية أبنائها، وأنه قادر على فرض واقع جديد بالقوة والعنف، كما سعى إلى تعميق الإنقسامات الإجتماعية وإشعال الفتن الداخلية، مستغلاً حالة الإنهيار الأمني والسياسي التي كانت تمر بها البلاد.
♦️إنعكاسات سبايكر على العراق..
أحدثت المجزرة تحولاً كبيراً في المشهد العراقي، فعلى المستوى الشعبي ولدت حالة واسعة من التعبئة الوطنية لمواجهة خطر الإرهاب، وعلى المستوى الأمني، دفعت الدولة إلى إعادة بناء الكثير من تشكيلاتها العسكرية والأمنية وتطوير قدراتها القتالية والاستخبارية، كما ساهمت الأحداث التي شهدها عام 2014، وفي مقدمتها سبايكر، في تشكيل وعي جديد لدى العراقيين بأهمية الحفاظ على الدولة ومؤسساتها وعدم السماح بعودة التنظيمات الإرهابية مجدداً.
♦️الدرس الأهم..
بعد أكثر من عقد على الجريمة، يبقى الدرس الأهم الذي قدمته سبايكر هو أن ضعف الدولة يفتح الباب أمام الكوارث، وأن حماية الوطن لا تتحقق بالشعارات وحدها، بل ببناء مؤسسات قوية وقادرة على مواجهة التحديات،
لقد تحولت سبايكر من مأساة إنسانية إلى رمز للتضحيات التي قدمها العراقيون في مواجهة الإرهاب، وإلى تذكير دائم بأن الدم العراقي الذي أريق ظلماً يجب أن يكون حافزاً لتعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ قيم العدالة ومنع تكرار مثل تلك الجرائم مستقبلاً، وفي كل عام تعود ذكرى سبايكر لتؤكد أن الشهداء لا يغيبون عن ذاكرة الوطن، وأن العدالة تبقى مطلباً أخلاقياً ووطنياً لا يسقط بالتقادم.
