الشيخ اكرم كامل الخفاجي ||
الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
يقول أحدهم : عندما كنت طفلاً في كل مرة أشتري علبة ألوان أقوم فأرمي القلم الأبيض جانباً ، وحين تسألني أمي لماذا ؟ أقول : لأنه لا يلوّن .. والآن بعد أن كَبُرت أيقنت جيداً لماذا القلم الأبيض لا يلوّن ؛ لأنه صادق ونقي لا يزيّف الحقائق ولا يعطيها لوناً سوى لونها الحقيقي ، ولو كنت أعلم بذلك لما فرطت فيه أبداً .
وهذه الحقيقة أصابت يوم المباهلة بأقلام ألوان شتى سوى القلم الأبيض . فكم زُحزح عن مفهومه ، وكم طُرد في معناه ، كل ذلك كي يحرفوا هذا الحدث العظيم عن الطريق المستقيم . ومع ذلك كله بقي هذا اليوم رغم الإيهام والأوهام غضاً طرياً كما القرآن المجيد يُتلى الى يوم القيامة .
فأقول : أنك تستطيع أن تسحق الزّهرة تحت قدميك ، ولكنّك لا تستطيع أن تُزيل عطرها.
فأدركتُ : أنه في المدرسة أتعلم ثمّ أواجه الامتحانات .. أمّا في الحياة فإنّي أواجه الامتحانات وبعدها أتعلم الدّروس !.
يصادف يوم الرابع والعشرين من ذي الحجة يوم المباهلة ، وهو يوم سيكون مشهوداً على مدى الأجيال وامتداد الزمن ، بما لا شبيه له ولا مثيل ، لأنه كان بمنزلة السهم الأخير بعد أن لم ينفع المنطق والاستدلال مع الآخرين .. فقد حُسم الأمر وحُزم الموقف ، وحُقت فيه كلمة الله العليا ، وتمت فيه الغلبة للإسلام بمحمد وآل محمد الطيبين الطاهرين .
قد يظن الظانون إن قصة المباهلة مضت بطريقها الى الاندثار ، فقد طواها الزمن بين طياته ، وانقضت في يومها الذي وقعت فيه ، وذهبت ليومها وساعتها .
والواقع ان هذا الظن قد ينوش الحقيقة من بعض نواحيها ، ولكن الأولى أن لا يكون هذا الظن ، لان قصة المباهلة قصة قومية اسلامية روحية بإمتياز ، لأن الإسلام أمنية الحضارة العالمية ، ويوم المباهلة هو أحد الأيام التي كانت سبيلاً الى تلك الأمنية الغالية بما ظهر للإسلام من عزة ومنعة ، ولرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولأهل بيته (عليهم السلام) من عظمة وكرامة .
وترتبط كلمة المباهلة بإحدى أهم الحوادث الإسلامية التي ذكرها القرآن الكريم في سورة آل عمران ، الآية 61 ، في قوله تعالى : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) .
نزلت هذه الآية في وفد نجران العاقب والسيد ومن معهما قالوا لرسول الله : هل رأيت ولداً من غير ذكر فنزلت : (إنّ مثل عيسى عند الله كمثل آدم …) الآية فقرأها عليهم ، فلمّا دعاهم رسول الله إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك ، فلمّا رجعوا إلى رجالهم قال لهم الاسقف : انظروا محمّد في غد فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته ، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فإنّه على غير شيء .
فلمّا كان الغد جاء النّبي (ص) آخذاً بيدي الحسن (ع) وحاملاً الحسين (ع) وفاطمة (ع) تمشي خلفه وعلي بن أبي طالب (ع) خلفها ، وخرج النصارى يتقدمهم اسقفهم . فلمّا رأى النّبي (ص) قد أقبل بمن معه فسأل عنهم فقيل له : هذا ابن عمّه وزوج ابنته وأحب الخلق إليه ، وهذان ابنا بنته من علي وهذه الجارية بنته فاطمة أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه ، فقال الأسقف : إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة .
فقال الاسقف لرسول الله (ص) : يا أبا القاسم ! إنا لا نباهلك ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به ، فصالحهم رسول الله (ص) وكتب لهم بذلك كتاباً .
من هنا تجدر الإشارة إلى نقاط ذات أهمية وهي :
* قوله عز وجل : (فمن حاجك فيه) أي جادلك في عيسى أو في الحق (من بعد ما جاءك من العلم) أي من البينات الموجبة للعلم ، وهي تطييب لنفس الرسول (صلى اللّه عليه وآله) بأنه على العلم المطابق للواقع والحق اليقين ، ووعد منه عز وجل بأنه ناصره وانه لا يخذله في كل المواطن .
والمراد من العلم الأعم الحاصل من البرهان عن طريق الحس أو عن طريق العقل أو الوحي الإلهي .
إذن فإن الدعوة علمية بما يمتلك من الوحي الإلهي ويقينية العلوم العقلية ، وكل ذلك إجتمع في هؤلاء الخمسة المعصومين إن كان في هذه الساعة أو في كل ساعة .. فالعلم موجود في أهل البيت (عليهم السلام) حتى يصل الى الإمام المهدي (عج) وهو العلم الذي دعا الله الرسول الأعظم أن يباهل بهم العالم من بعده الى يوم القيامة .. وهو دليل على العصمة التي أُستمدت من الرسول (ص) الى باقي الأئمة (ع) .
* وقوله تعالى : (فقل تعالوا) وأصله تعاليوا من العلو فاستُثقلت الضمة على الياء فحذفت ، أي بمعنى تعال كأنه يقول : ارتفع بهذا الجهل عن المحاججة فيه لأن الجهل لا يقبل المحاججة .
عموماً تعال : فعل أمر يدل على طلب الإقبال من مكان مرتفع ثم أُستعمل في مطلق طلب المجيء توسعاً أي : اقبلوا بثبات وعزيمة إن كنتم تملكون شيئاً من العلم .
* قوله تعالى : (وَنِساءَنا وَ نِساءَكُمْ) فالنساء جمع لا واحد له من لفظه ومفردة المرأة ، ولفظ النساء يشمل المرأة التي تُنسب الى الشخص بسبب أو نسب كالزوجة والأم والأخت والبنت .. ولماذا جاء لفظ الآية (نساءنا) دون (بناتنا) بينما الذي أخرجها الرسول (ص) هي فاطمة ؟ .
وقد ورد استعمال النساء بمعنى البنت في قوله تعالى : «وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ» النساء – 7 والمراد بهن البنات .
والشواهد القرآنية والشعر العربي الفصيح تدلان على صحة استعمال كلمة (نساءنا) في البنات ولم يستشكل احد من فرسان البلاغة والفصاحة على القرآن الكريم في استعماله .
أما لماذا إختصرت (نساءنا) بفاطمة ؟ فالجواب واضح وبيّن وهو أن فاطمة بنت النبي (ص) المدعوّ للمباهلة .. وهي أم (أبناءنا) المدعوون للمباهلة .. وهي زوج (أنفسنا) المدعوّ للمباهلة .. فهي بنت وهي أم وهي زوجة ، والنساء مجموع هذه المفردات .. ففاطمة ابنة النبوة من جانب وهي زوجة وأم الإمامة من جانب آخر ، فهي نصف نبي ونصف إمام .. وهي شخصية لم تُكرم فيها إمراة غير فاطمة الزهراء (ع) فكانت سيدة نساء العالمين .
* إن تعيين شخصيات المباهلة ليس حالة عفوية مرتجلة ، وإنما هو إختيار إلهي هادف وعميق الدلالة ، وقد أجاب الرسول (ص) حينما سئل عن هذا الإختيار بقوله : (لو علم الله تعالى أن في الأرض عباداً أكرم من علي وفاطمة والحسن والحسين لأمرني أن أباهل بهم ، ولكن أمرني بالمباهلة مع هؤلاء فغلبت بهم النصارى) .
* إن ظاهرة الإقتران الدائم بين الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السَّلام) تنطوي على مضمون رسالي كبير يحمل دلالات فكرية وروحية وسياسية مهمة ، إذ المسألة ليست مسألة قرابة ، بل هو إشعار رباني بنوع وحقيقة الوجود الامتدادي في حركة الرسالة ، هذا الوجود الذي يمثله أهل البيت (عليهم السَّلام) بما حباهم الله تعالى من إمكانات تؤهلهم لذلك .
* الآية ذكرت أول ما ذكرت الأبناء (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا) وهي إشارة واضحة وظاهرة ومبينة لقيمة وشموخ وعنفوان الأبناء عند رسول الله (ص) في المباهلة . ثم أن الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا صغيرين ليدلّ بهما الرسول (ع) الى حجية الحسنين في المباهلة وغيرها فيما إذا قامت الحجة في تالي الأيام ، وهو صيغة من صيغ الإمامة بلا غبش ولا تغافل .
* لو حاولنا أن نستوعب مضمون المفردة القرآنية {أنفسنا} لأستطعنا أن ندرك قيمة هذا النص في سلسلة الأدلة المعتمدة لإثبات الإمامة ، إذ أن هذه المفردة القرآنية تعتبر علياً (ع) الشخصية الكاملة المشابهة في الكفاءات والصفات لشخصية الرسول الأكرم (ص) بإستثناء النبوة التي تمنح النبي خصوصية لا يشاركه فيها أحد مهما كان موقعه ومنزلته .
وفي ذلك قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر [طاب ثراه] : (ليس هناك أحدٌ مؤهّل لفقه القرآن ومعدّ لتحقيق الأمر الإلهيّ وتنفيذ الإرادة الربّانيّة بإزالة الظلم والفسق والكفر غير عليّ بن أبي طالب حصراً) .
وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا لينكروا أن لفظة {أنفسنا} لا تعني علياً وإنما تعني أن الرسول (ص) يدعو نفسه .
ولأنه لا يصح في العرف أن يدع الإنسان نفسه ، كما لا يصح في مقام الأمر أن يأمر نفسه وقد قال الفقهاء : إن الآمر لا يجوز أن يدخل تحت الأمر لان من حقه أن يكون فوق المأمور بالرتبة ، ويستحيل أن يكون فوق نفسه ، فلا يشمله الأمر قطعاً كما إذا أمر القائد جنده بالهجوم على حصون العدو فهذا الأمر منه لا يشمل القائد نفسه ، فلو تخلف عن الهجوم لا يكون عاصياً ، وإذا هجم مع الجند لا يكون ممتثلاً لأمر نفسه ، وهذا بخلاف الجندي فانه يتصف بالعصيان إذا تخلف كما يتصف بالطاعة إذا تقدم .
وقد ذكر السيد عبد الحسين شرف الدين في كلمته الغراء قال ما نصه بالحرف : “وأنت تعلم أن مباهلته (ص) بهم والتماسه منهم التأمين على دعائه بمجرده فضل عظيم ، وانتخابه إياهم لهذه المهمة العظيمة واختصاصهم بهذا الشأن الكبير وإيثارهم فيه على من سواهم من أهل السوابق فضل على فضل لم يسبقهم إليه سابق ولن يلحقهم فيه لاحق ، ونزول القرآن العزيز آمراً بالمباهلة بهم بالخصوص فضل ثالث يزيد فضل المباهلة ظهوراً ويضيف الى شرف اختصاصهم بها شرفاً والى نوره نوراً “.
كما وإنّه ليس لاختيار الله مقاييس أخرى غير مقاييس الفضيلة على اعتبار الوصول إليه تعالى ، وصولاً مقربّاً منه ، وقد فنيت قلوب آل رسول الله (ص) في ذات الله ، وكان لهم من الحياة الفضلى ، والفناء ما يثبت لهم المثاليّة المطلقة في كلّ مقاييس الفضل ، والكمال النفسي والشخصي فجاء الاختيار منه برهاناً ساطعاً .
فدلت آية المباهلة على الفضل العظيم والمنزلة الكبرى والمنقبة العظمى لأهل بيت النبي (ص) من وجوه عديدة منها : اختصاصهم باسم النفس والنساء والأبناء للرسول الكريم (ص) دون سائر الأمة رجالاً ونساءً وأبناءً .
كما أنها دلّت على صحة نبوته (ص) من وجهين :
أحدهما وهو أنه (ص) خوفهم بنزول العذاب عليهم ، ولو لم يكن واثقاً بذلك ، لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه .
وثانيهما : إن القوم لما تركوا مباهلته ، فلولا أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته ، وإلا لما أحجموا عن مباهلته .
وبتعبير آخر فانّ هناك مرحلتين ، مرحلة (الاتفاق) ومرحلة (التنفيذ) ، ففي المرحلة الأولى قد تأتي الألفاظ بصيغة الجمع لكي تنطبق على جميع الحالات . ولكن في مرحلة التنفيذ قد تنحصر الحالة في فرد واحد ، وهذا لا يتنافى مع عمومية المسألة واذا كان على رسول اللّه (ص) بموجب اتفاقه مع مسيحيّي نجران ، أن يدعو للمباهلة جميع أبنائه وخاصّة نسائه وجميع من كانوا بمثابة نفسه ، إلّا أنّ مصداق الاتّفاق لم ينطبق إلّا على ابنين وامرأة ورجل .
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
