حسام الحاج حسين
يبدو ان الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يُقاس بعدد الضربات العسكرية المتبادلة ولا بحجم العقوبات الاقتصادية، بل باتت ترتبط وقبل كل شيء بمن يملك القدرة على فرض قواعد الملاحة والأمن في مضيق هرمز. فمنذ انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة بشكلها الأوسع انتقل الصراع من استهداف القدرات العسكرية إلى محاولة إعادة تشكيل ميزان القوى في الخليج، حيث أصبح المضيق محور المنافسة الفعلية بين واشنطن وطهران، وأداةً لإعادة تعريف النفوذ الإقليمي لكل منهما.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم السلوك الأميركي والإيراني بوصفه صراعاً على إدارة المضيق أكثر من كونه مواجهة عسكرية تقليدية و مفتوحة فإيران المتمثلة ب(الحرس الثوري ) تنظر إلى مضيق هرمز باعتباره أهم أوراق الردع التي ما زالت تمتلكها بعد سنوات طويلة من العقوبات والضغوط العسكرية. أما الولايات المتحدة، فترى أن أي اعتراف عملي بحق إيران في فرض شروطها على الملاحة الدولية سيؤدي إلى تقويض النظام الأمني الذي قادته في الخليج منذ عقود.
ويبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب توصل إلى قناعة بأن مركز القرار الحقيقي في إيران لا يزال بيد الحرس الثوري، وليس لدى الحكومة التي يقودها الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي، رغم استمرار الأخيرين في إظهار الاستعداد للحفاظ على وقف إطلاق النار. فقد أثبتت التطورات الميدانية أن الهجمات على ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز، وكذلك استهداف القواعد الأميركية في الخليج، تصدر عن ( الحرس الثوري ) ، الأمر الذي دفع واشنطن إلى التعامل معه بوصفه الطرف الذي يحدد مسار الأزمة.وهو من يملك مفاتيح كل شي .
تعتمد إيران اليوم على استراتيجية تقوم على إبقاء مستوى التوتر في المضيق تحت سقف الحرب دون الشاملة. فالهجمات المتقطعة على السفن التجارية وناقلات النفط، إلى جانب استهداف المصالح العسكرية الأميركية، تهدف إلى ترسيخ معادلة مفادها أن أمن الملاحة لا يمكن ضمانه من دون أخذ المصالح الإيرانية في الاعتبار وهذا مايقوله الأوروبيين في مساحة معينه وبهذا المعنى، لا يسعى (الحرس الثوري ) إلى إغلاق المضيق بصورة دائمة، بل إلى الاحتفاظ بقدرته على التأثير في حركة التجارة العالمية واستخدامها كورقة ضغط سياسية واقتصادية.
في المقابل، تبدو واشنطن مصممة على منع إيران من تحويل هذا النفوذ إلى مكسب دائم. ولهذا السبب، لم تقتصر السياسة الأميركية على الرد العسكري فقط بل اتجهت أيضاً إلى تشديد الضغوط الاقتصادية من خلال إعادة الحصار البحري مع قصف متقطع للموانئ الإيرانية، سواء الواقعة على الخليج أو المطلة على المحيط الهندي، بهدف تقليص قدرة طهران على الاستفادة من موقعها الجغرافي كورقة جيوسياسية تنظم توزيع الآلم في المنطقة .
وفي الوقت ذاته، تسعى إدارة ترامب إلى نقل جزء من أعباء حماية الملاحة إلى الدول المستفيدة من استمرار تدفق النفط. كالصين وشرق آسيا ومن هنا برزت فكرة فرض الرسوم على عبور السفن التي تستفيد من الحماية العسكرية الأميركية أثناء مرورها عبر مضيق هرمز وفق المسار العماني . ولا تستهدف هذه الخطوة إيران وحدها، بل تشكل أيضاً رسالة إلى الصين والدول الأوروبية وحلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو، مفادها أن ضمان أمن التجارة العالمية يجب ألا يبقى مسؤولية أميركية خالصة.
وفي النسخة الأخرى من الصراع
ورغم استمرار التصعيد العسكري، فإن الاتصالات المباشرة بين واشنطن وطهران لم تتوقف كمل يقول الوسطاء وتشير المعطيات إلى أن ممثلين عن (الحرس الثوري )وضباطاً ودبلوماسيين أميركيين ناقشوا ترتيبات العبور في المضيق في الدوحة إلا أن الخلافات بشأن تفاصيل الاتفاق أدت إلى انهيار المفاوضات كما قال ترامب وتم أستئناف و تبادل الضربات في الأيام القليلة الماضية
ويكشف ذلك أن الطرفين لا يتفاوضان لإنهاء الأزمة بقدر ما يحاول كل منهما تحسين موقعه التفاوضي من خلال الضغط العسكري. فالمفاوضات والعمليات العسكرية أصبحتا مسارين متوازيين، يستخدم كل منهما لتعزيز الآخر.
وفي مايخص الملف النووي
تعمل إيران بوتيرة متسارعة في إعادة تحصين منشآتها النووية، مع رفضها توسيع رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتشير صور الأقمار الصناعية إلى أن الجهود الحالية تتركز على تعزيز الحماية الهندسية للمنشآت أكثر من استئناف عمليات التخصيب، بما يعكس استعداداً لاحتمال تجدد الضربات الأميركية أو الإسرائيلية في المستقبل القريب .
تستفيد إسرائيل حالياً و بصورة غير مباشرة من استمرار حرب الاستنزاف، إذ يؤدي استمرار التوتر إلى إطالة أمد الضغوط السياسية والعسكرية على إيران، ويؤخر أي مسار محتمل لتخفيف العقوبات عنها وهو ماتطالب به تل ابيب .
من هنا يمكن أن نقول بأن مضيق هرمز ذلك الممر الطبيعي لم يعد مجرد ممراً لعبور النفط والغاز والبصائع فقط بل أصبح ميداناً تتحدد فيه موازين القوى الإقليمية والدولية. فإيران تسعى إلى تثبيت حقها في التأثير في أمن الملاحة باعتباره ركيزة لنفوذها الاستراتيجي، بينما تعمل الولايات المتحدة على منع الأخيرة من تحويل هذه الورقة إلى واقع دائم يمنحه شرعية سياسية ومكسباً اقتصادياً.لم يكن في وارد الحسابات الواقعية
وعليه، فإن مستقبل المواجهة لن يتحدد فقط بنتائج الضربات العسكرية أو مسار البرنامج النووي الإيراني، بل بقدرة أي من الطرفين على فرض قواعد جديدة لإدارة مضيق هرمز، الذي أصبح العقدة الجيوسياسية الأهم في الصراع الأميركي–الإيراني .
