د. أحلام الصوفي ||
لم تعد التحذيرات اليمنية مجرد رسائل سياسية أو بيانات إعلامية عابرة، بل أصبحت جزءا من معادلة ردع فرضت نفسها على واقع الملاحة البحرية في المنطقة. فالاستجابة التي أبدتها ست سفن للإنذار اليمني، واختيارها تجنب المخاطرة بدلا من تجاهل التحذيرات، تعكس تحولا لافتا في طريقة تعامل شركات الملاحة والجهات المشغلة مع الموقف، وتؤشر إلى أن معادلة الردع اليمنية باتت تمتلك تأثيرا عمليا يتجاوز حدود التصريحات.
إن أي سياسة ردع لا تقاس بحجم القوة المعلنة فقط، وإنما بمدى قدرة هذه القوة على دفع الطرف الآخر إلى تغيير سلوكه قبل وقوع المواجهة. وعندما تتخذ سفن قرارها بالاستجابة للإنذار، فإن ذلك يعني أن الرسالة وصلت، وأن كلفة تجاهلها أصبحت أعلى من كلفة الالتزام بها، وهو جوهر مفهوم الردع في العلاقات الدولية.
لقد فرضت التطورات الأخيرة واقعا جديدا في البحر الأحمر والممرات البحرية المحيطة به، حيث أصبحت شركات النقل البحري مضطرة إلى إدراج التحذيرات اليمنية ضمن حساباتها التشغيلية والأمنية. ولم يعد بالإمكان التعامل مع هذه التحذيرات باعتبارها مجرد مواقف إعلامية، بل أصبحت عاملا مؤثرا في اتخاذ القرار، وهو ما ينعكس على حركة الملاحة وخطط العبور والتأمين البحري.
وتشير الاستجابة لست سفن إلى أن معادلة “الحصار بالحصار” انتقلت من إطار الشعار السياسي إلى مستوى التأثير العملي، إذ أصبح الضغط المقابل وسيلة لإيصال الرسائل وإعادة رسم قواعد الاشتباك. وهذا التحول يمنح الردع بعدا جديدا، قوامه أن امتلاك القدرة والإرادة معا هو ما يجعل الخصوم يعيدون حساباتهم قبل الإقدام على أي خطوة.
كما أن نجاح أي معادلة ردع لا يعني بالضرورة وقوع مواجهات متكررة، بل قد يكون نجاحها الحقيقي في منع التصعيد عبر دفع الأطراف الأخرى إلى الامتثال للإنذارات وتجنب الاحتكاك. ومن هذه الزاوية، فإن استجابة السفن تمثل مؤشرا على أن الرسائل التحذيرية تؤخذ بجدية من قبل الجهات المعنية بحركة الملاحة.
وفي ظل استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن البحر الأحمر يشهد مرحلة مختلفة، عنوانها أن ميزان التأثير لم يعد محصورا بالقوى التقليدية، بل أصبح مرتبطا أيضا بقدرة الفاعلين على فرض معادلات جديدة تغير من حسابات الخصوم وتدفعهم إلى إعادة تقييم خياراتهم.
إن ما حدث يؤكد أن الردع لا يقاس بعدد البيانات الصادرة، وإنما بحجم الاستجابة التي تفرضها تلك البيانات على أرض الواقع. وعندما تغير السفن مساراتها أو تمتثل للإنذارات لتجنب المخاطر، فإن ذلك يعكس أن معادلة الردع قد حققت أحد أهم أهدافها، وهو التأثير في القرار قبل الوصول إلى المواجهة.
#ملتقى- رائدات – الفكر-الحر
