جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف الأصلاح بالضجيج: قراءة في حملات مكافحة الفساد..!

الأصلاح بالضجيج: قراءة في حملات مكافحة الفساد..!

حجم الخط

 


حسام الحاج حسين ||

👈في المجتمعات الطبيعية الغير مصابة بالأمراض السياسية المستعصية يبدأ التفكير من الواقع: تُجمع الحقائق، وتُفحص الأدلة، ثم تُستخلص النتائج. أما في منظومات الدعاية السياسية، فتسير العملية في الاتجاه المعاكس؛ إذ يُصاغ الاستنتاج أولًا، ثم يُعاد تشكيل الوقائع لتنسجم معه في عملية آحتيال ممنهجه .

هذا، في جوهره، هو الأسلوب الذي تتبعه آلة الدعاية التابعة للحكومات العراقية المتعاقبة في تسويق حملات مكافحة الفساد. فالرسالة السياسية تُحسم مسبقًا، ثم تُسخّر أجهزة الإعلام والمنصات الرسمية والناطقون باسم الحكومة والمطبلون والأبواق المأجورة لتقديم رواية تبدو متماسكة، حتى لو كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف تمامًا.

ولا تكمن المشكلة في تبني رواية رسمية غير ناضجة فحسب، بل في استعداد هذه المنظومة الأعلامية لتغيير الرواية متى ما اقتضت المصلحة السياسية ذلك. فإذا تغيرت الظروف، أُعيدت صياغة الخطاب، وأُعيد تفسير الوقائع، بل قد تُطرح رواية تناقض ما قيل بالأمس، من دون مراجعة أو مساءلة. الثابت الوحيد ليس الحقيقة، وإنما الحاجة إلى الحفاظ على الصورة التي يريدها النظام أمام الرأي العام.

ضمن هذا السياق، تتحول مكافحة الفساد من مشروع إصلاحي إلى منتج إعلامي. تُصاغ الحملات بعناية، وتُضخّم العناوين، وتُصنع مشاهد المداهمات والتصريحات والوعود، بينما تبقى الأسئلة الجوهرية معلقة: هل تراجعت مستويات الفساد؟ وهل أصبحت مؤسسات الدولة أكثر نزاهة وكفاءة؟ وهل تغيّرت قواعد إدارة المال العام؟

النتائج التي يلمسها المواطن لا تعكس ما يعد به الخطاب الرسمي. فبدلًا من انحسار الفساد، تبدو مظاهره أكثر رسوخًا وتعقيدًا. ومع كل حملة إعلامية جديدة، يتجدد الوعد بأن “المعركة الحاسمة” قد بدأت، لكن الواقع يواصل إنتاج المؤشرات نفسها، وكأن المشكلة لم تُعالج من جذورها أصلًا.

إن قوة الضجيج الإعلامي ليست دليلًا على قوة الإنجاز. فعدد المؤتمرات الصحفية، أو كثافة البيانات، أو حجم التغطية الإعلامية، لا يمكن أن يكون معيارًا لنجاح استراتيجية مكافحة الفساد. النجاح يُقاس بالمؤسسات التي أصبحت أكثر استقلالًا، وبالقوانين التي تُطبَّق على الجميع، وبالأموال العامة التي تُحمى، وبالثقة التي يستعيدها المواطن في دولته.

لقد اعتادت حكومات التي تعتمد على الدعاية أن تبيع الأمل أكثر مما تقدم الحلول. فكل حملة تُقدَّم باعتبارها نقطة تحول تاريخية، وكل تصريح يوحي بأن الحسم أصبح قريبًا، لكن ما إن تهدأ الضجة حتى تبدأ حملة جديدة بالشعارات نفسها، وكأن الزمن يدور في حلقة مغلقة.

إن أخطر ما تفعله الدعاية ليس تزييف حدث واحد، بل إعادة تشكيل وعي الجمهور تدريجيًا، بحيث يصبح الخطاب الرسمي بديلًا عن الوقائع. وعندما يحدث ذلك، يصبح تقييم السياسات قائمًا على الانطباعات لا على النتائج، وعلى الصور لا على الأرقام، وعلى الشعارات لا على الحقائق.

ولهذا، فإن تقييم أي حملة لمكافحة الفساد يجب ألا يبدأ بما تقوله حكومة عن نفسها، بل بما تحقق على أرض الواقع. فالمعيار الحقيقي ليس حجم الضجيج، وإنما حجم التغيير.

إن مراجعة هذه التجربة ليست مجرد محاولة لمحاسبة من ضللوا الرأي العام، بل هي ضرورة لحماية المستقبل. فالدول لا تُبنى بالدعاية، ولا تُصلح بالشعارات، ولا تُدار بإعادة إنتاج الروايات. وإنما تُبنى بالشفافية، وسيادة القانون، ومؤسسات قادرة على محاسبة الفاسدين دون انتقائية، وبحقائق لا تتغير بتغير الخطاب السياسي .


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال