جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف زلزال الحرب وهندسة السلام.. كيف يولد استقرار الإقليم من بوابة اليمن؟!

زلزال الحرب وهندسة السلام.. كيف يولد استقرار الإقليم من بوابة اليمن؟!

حجم الخط

 


القاضــــــي حسين بن محمد المهدي


{يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَ بَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَ نِساءً وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}

مما لا ريب فيه أن العقل هو قطب الرحى الذي تدور عليه أمور الخلق، وبه تعمر الديار وتحيا النفوس. ولما كان العقل أفضل ما قسم الله للإنسان، فإن عظمة المرء – دولاً وقادة وأفراداً – تتجلى في قدرته على تحكيم هذا العقل عند وقوع النوائب، والارتفاع فوق حظوظ النفس ونوازع الهوى. إن التاريخ يكتبه العقلاء الذين يملكون شجاعة المراجعة، لا الذين تأخذهم العزة بالإثم، فكم من جرح غائر في جسد الأمة ضمدته كلمة طيبة ومراجعة صادقة، وكم من حصار وألم أوجع القلوب وأفجع الضمائر، وكان الرجوع عنه بحكم العقل فضيلة تُذكر فتشكر.

إن الأمة العربية والإسلامية تواجه اليوم تحديات مصيرية وهجمات شرسة تستهدف كيانها ووجودها، وفي مثل هذه المنعطفات التاريخية يصبح التنازع والشقاق ترفاً لا تملكه الأمة، وإنما هو سبيل للفشل وذهاب الريح. لقد حان الوقت لتتراجع دول الجوار عن ظلمها لإخوانهم في يمن الإيمان والحكمة، فالرجوع إلى الحق فضيلة، والقرآن قد أعلم الكافة أنه عند حصول التنازع والقتال يجب السعي إلى المصالحة، {وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما} هذا هو كلام الله الذي لا يحل لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدعه جانباً، وقد حصل البغي على اليمن عند ذلك وقتل عشرات الآلاف بالإضافة إلى هدم الديار والصالات والمستشفيات والمساجد ثم فرض الحصار، وقطعت الرواتب، وإذا كان قد حصل كل ذلك وقد عقد الجميع العزم على المصالحة فإنما ترتب آثارها وتصلح شؤون الكافة حينما تكون قائمة بالعدل، لأن الله يقول: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}. فالمنطقة لن يسودها السلام حتى تعود إلى كتاب ربها وهدي نبيها، فقد أمر الله نبيه وخاتم رسله به، وأمره الله أن يحكم به، وخاطب نبيه بقوله: {وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}.

إن قوة اليمن هي قوة وعزة للأمة العربية والإسلامية، وأن مصالحة اليمن شرف لجيرانه، فقوة الجار من قوة جاره، وأن الإحسان إلى الجار وصية ربانية. وفي الحديث النبوي: 《مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه》. ولا يستفيد من حصار اليمن وحربه إلا أعداء الأمة الإسلامية التي تضمر للجميع شراً.

إن البغي والتعدي لا يورثان إلا الأحقاد التي تأكل الأخضر واليابس.

إن الاعتذار عن أخطاء الماضي وإعادة إصلاح ما جرى به العذاب ليس ضعفاً، وإنما هو عين القوة ورأس الحكمة، والعاقل من يراجع حسابه ليحقن دماً ويسد ثغراً.

إن اليمن السعيد، أصل العرب ومنبع العروبة، يجب أن يكون التعامل معه قائماً على الندية والاحترام وحفظ الإخاء.

إن مصالحة اليمن ليست مجرد ملف سياسي يُناقش في أروقة الدبلوماسية، وإنما هي واجب إنساني، وإسلامي، وأخلاقي لا يقبل التأجيل.

فالإسلام يدعو إلى وحدة الصف ونبذ العداوة، والقرآن الكريم يوجهنا بوضوح: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ويقول: {إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَ أَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}. فحكموا عقولكم وضمائركم فيما تعملون، واتقوا الله في أنفسكم وأوطانكم، واعلموا أنكم مسؤولون أمام الله. فالإسلام يطالب الجميع بتطهير النفس من الأغراض الخفية ومن الأهواء الدفينة، وأن نجعل أهواءنا جميعاً تبعاً لحكم الله وشرعه لا تبعاً لأهوائنا: {وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّـهِ}

فقد حذرنا القرآن من اتباع الهوى الذي يضل عن سبيل الله ويهلك المجتمعات.

لقد مضى زمن التعالي والخصومات الصفرية، وجاء زمن العقول الراجحة التي تقرأ المستقبل بوعي. إننا نتطلع إلى يوم قريب تتطهر فيه القلوب من رواسب الضغائن، وتلتئم فيه الجراح، وتتوحد فيه الجهود لبناء أمة قوية متماسكة، تحمي ذمارها وتحفظ جيرتها. فالعقل يقيم ولا يبرح، والمال يحل ويرتحل، ولن يبقى في صفحات التاريخ إلا مواقف الرجال الذين حقنوا الدماء، وصانوا العهد، واختاروا طريق التصالح والتسامح؛ نزولاً عند كلام ربهم، وحفاظاً على هوية أمتهم.

إذ العقول تولت أمر أمتها ** غدا الزمان لها بالعقل يزدان

ما خاب عبد سعى بالعقل مجتهداً ** ولا تردَّى إذا ما قاده برهان

والصفح أرفع أخلاق الرجال إذا ** ضاقت صدور وأعيا الناس عدوان

فاجعل من العقل ميزاناً تجود به ** فالعقل للتائه الحيران ربان

إنَّ الله تعالى لم يمنح الإنسان نعمةً بعد الإيمان أجلَّ من العقل، فهو النور الذي تُبصر به البصائر قبل الأبصار، والميزان الذي تُعرف به الحقائق، والحارس الذي يكبح جماح الهوى إذا ثارت شهواته، ويهدي صاحبه إلى سواء السبيل إذا ادلهمَّت الخطوب. وما ارتقت أمة إلا حين جعلت العقل قائداً، ولا سقطت حضارة إلا حين جعلت الهوى إماماً.

ولذلك أكثر القرآن من الدعوة إلى التعقل والتدبر، وجعل ترك العقل من أسباب الضلال والخسران، فقال سبحانه: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. فالعقل ليس زينةً فكرية، وإنما هو عبادة، ووسيلة لإقامة العدل، وصيانة الدماء، وإصلاح الأرض.

وما من فتنةٍ عصفت بالأمم إلا وكان الهوى وقودها، وما من صلحٍ دام إلا وكان العقل قائده. ولقد صدق من قال: كم من عقلٍ أسيرٍ تحت سلطان هوىً أمير. فالهوى يدعو إلى الانتقام، والعقل يدعو إلى الإنصاف؛ والهوى يوسع دائرة الخصومة، والعقل يضيقها حتى تنطفئ نارها؛ والهوى يبني الجدران بين الإخوة، والعقل يفتح الأبواب للمصالحة.

وإذا كانت السياسة الرشيدة تُقاس بحجم ما تحققه من أمنٍ واستقرار، فإن أعظم الانتصارات ليست في إطالة الخصومات، وإنما في إنهائها على وجهٍ يحفظ الكرامة، ويصون الحقوق، ويحقن الدماء. وليس الرجوع إلى الحق نقصاً، بل هو من شيم العقلاء، وقد قيل: الرجوع إلى الحق خيرٌ من التمادي في الباطل.

وإن الأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى أن تسمع صوت الحكمة فوق ضجيج الخلاف، وصوت العقل فوق صخب العصبية. فهي تواجه تحديات جساماً، تتربص بها قوى لا يسرها اجتماع كلمتها ولا قوة صفها، وإنما يسرها أن تبقى ساحاتها ميادين للنزاع، وأن تُستنزف طاقاتها في صراعات داخلية، بينما تتعاظم الأخطار المحدقة بها.

ومن هنا فإن تغليب لغة الحوار، وإحياء ثقافة التسامح، والسعي الصادق إلى الإصلاح، ليس موقفاً سياسياً فحسب، وإنما هو واجب ديني وأخلاقي وحضاري.

واليمن، بما يمثله من عمقٍ حضاري ومكانةٍ عربية وإسلامية، يستحق أن يكون ميداناً للبناء لا للهدم، وللتعاون لا للتنازع. وكل خطوةٍ تُعيد الأمن، وتخفف المعاناة، وتجمع الكلمة، هي خطوةٌ تُحسب للعقل قبل أن تُحسب للسياسة. كما أن حسن الجوار قيمةٌ أصَّلها الإسلام، فقال تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، ونهى عن الظلم والبغي والعدوان، لأن الأمن المشترك لا يتحقق إلا بالعدل، ولا يدوم إلا بالاحترام المتبادل.

وما أحوج الجميع إلى مراجعةٍ صادقة، فإن الشجاعة ليست في المكابرة، وإنما في الاعتراف بما يحتاج إلى إصلاح، والفضيلة ليست في الإصرار على الخصومة، وإنما في المبادرة إلى ما يحقق الخير العام. فالعاقل لا يمنعه كبرياؤه من مراجعة موقفه، ولا يحمله خلاف الأمس على إضاعة مصلحة الغد.

ولئن كانت الحروب تترك جراحاً غائرة، فإن الحكمة وحدها قادرة على مداواتها، وإن الكلمة الصادقة قد تبني ما عجزت عنه القوة، لأن النفوس تُفتح بالعدل، والقلوب تُؤلف بالإحسان، والأوطان تُبنى بالتعاون لا بالتغالب.

فلنجعل العقل حكماً، والعدل ميزاناً، والحوار طريقاً، ولنرتفع فوق نوازع الفرقة، فإن ما يجمع الأمة أعظم مما يفرقها.

ألا فاجعل العقل الإمام فإنه ** دليل الهدى في المعضلات كما ترى

ولا تغترر بالعين فالطرف ربما ** يريك سراب الحق في باطل يرى

فكم من بصير العين أضحى مضللا ** وكم من كفيف الطرف بالعقل أبصر

إذا زل رأي المرء أرداه طرفه ** وإن صح عقل المرء عن زلة برا

يزين الفتى عقل إذا قام هادياً ** وليس جمال الوجه إن غاب مظهرا

ومن يجعل التدبير زاداً لسيره ** يجد كل باب للنجاح قد انبرى

فلا تعط عينيك القياد فإنها ** تضل إذا لم يهدك العقل لم تر

وخذ من ضياء الفكر نوراً فإنه ** إذا أظلمت درب الحياة لك مظهرا

إن نداء العقل اليوم هو طوق النجاة للأمة العربية والإسلامية، ولجيران اليمن، واليمنيين كافة، فبتراجع التحالف عن أخطائه تنصلح الأمور، وبالتسامح والتصالح تحفظ الأوطان، ولا عزة في قطيعة ولا رفعة في شقاق.

فاتخذوا جسراً في محادثاتكم ومصالحاتكم تربطكم بهويتكم لتستعيدوا أمجادكم.

وتذكروا قول الحق سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ}.

واعلموا أن سعيكم في نصرة الشعب الفلسطيني وشعب إيران المسلم ولبنان نصرة لكم، ونصرة لشريعة الإسلام: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ}.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال