جليل هاشم البكاء ||
لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالصواريخ والطائرات وحدها، بل أصبحت أجهزة الاستخبارات، والحرب الإلكترونية، والخلايا السرية، والاختراقات الأمنية، تشكل سلاحاً لا يقل خطورة عن أي ترسانة عسكرية. ولذلك، فإن كل حرب تقليدية واسعة تواكبها حرب خفية تدور في الظل، هدفها إنهاك الخصم من الداخل، وضرب منظومته الأمنية، وإرباك قراره السياسي والعسكري.
ومن هذا المنطلق، كان كثير من المراقبين يتوقعون أن تكون المرحلة التالية من المواجهة مع إيران مختلفة، وأن تراهن الولايات المتحدة وإسرائيل، بدعم من أجهزة استخبارات في دول أخرى، على فتح جبهات أمنية داخلية وتحريك شبكات التجسس والخلايا النائمة بعد انشغال إيران بالحرب التقليدية، في محاولة لتكرار نموذج يشبه عملية أجهزة البيجر التي استُخدمت ضد حزب الله، ولكن على نطاق أوسع وأكثر تعقيداً.
غير أن ما حدث، قد جاء معاكساً تماماً لما كان يُخطط له. فبدلاً من أن تتحول إيران إلى ساحة مفتوحة للاختراق، بادرت إلى خوض معركة استخباراتية استباقية، وكأنها كانت تنتظر هذه المرحلة منذ زمن، وتعرف تفاصيلها قبل أن تبدأ.
فقد أعلنت طهران عن كشف شبكات تجسس واعتقال أشخاص تتهمهم بالارتباط بأجهزة استخبارات أجنبية، مؤكدة أن المواجهة لم تعد تقتصر على ساحات القتال، بل امتدت إلى مراكز التخطيط والإسناد اللوجستي والتقني، وإلى البنية التي تعتمد عليها العمليات السرية.
ووفق لذلك يُتداول في بعض الأوساط الإعلامية، بإن أجهزة الاستخبارات الإيرانية، واستناداً إلى معلومات دقيقة، تمكنت من تحديد مواقع ومراكز تُتهم بأنها مرتبطة بالموساد أو تقدم له دعماً لوجستياً وتقنياً واستخباراتياً في أكثر من دولة، ومن بينها العراق والإمارات، إلى جانب مواقع أخرى في المنطقة. وتقول هذه الرواية إن تلك المواقع أصبحت هدفاً لعمليات أمنية واستخباراتية تركز على تعطيل قدراتها ومنع استخدامها في إدارة عمليات الاختراق والتجسس أو دعم الهجمات الإلكترونية والعمليات السرية ضد إيران وحلفائها.
وبهذا، فإن هذا الأسلوب يعكس تحولاً مهماً في طبيعة الصراع، إذ لم تعد إيران تكتفي بالدفاع عن نفسها أو انتظار الضربة التالية، وإنما انتقلت إلى ملاحقة مصادر التهديد نفسها، وضرب البنية التي تعتبرها مسؤولة عن التخطيط والإسناد قبل أن تتحول إلى عمليات على الأرض.
لقد كانت الخطة، بحسب هذا التصور، تقوم على استنزاف إيران في حرب عسكرية مفتوحة، ثم فتح أبواب الفوضى من الداخل بواسطة أدوات الاستخبارات والخلايا السرية، إلا أن النتيجة جاءت معاكسة، بعدما تحولت تلك الجبهة نفسها إلى ساحة مواجهة كشفت فيها إيران، بحسب تصريحاتها، كثيراً من الشبكات والأدوات التي كانت تراهن عليها الأطراف المقابلة.
وهكذا، أرادوها نسخة جديدة من عملية البيجر، فإذا بها تتحول إلى معركة معاكسة، يكون فيها من يُعد للاختراق هو نفسه عرضة للاكتشاف والملاحقة. إنها رسالة مفادها أن الحرب الخفية لم تعد حكراً على طرف دون آخر، وأن معركة العقول والمعلومات أصبحت اليوم أكثر حسماً من معركة الصواريخ، وأن من يعرف خصمه جيداً يستطيع أن يفسد خططه قبل أن تتحول إلى واقع، مهما بلغت دقتها وتعقيدها.
