جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف العفو العام لا يعني البراءة ولا يعيد بالضرورة المركز الوظيفي أو النيابي..!

العفو العام لا يعني البراءة ولا يعيد بالضرورة المركز الوظيفي أو النيابي..!

حجم الخط

 


 د. محسن حنون غالي العكيلي ||

قراءة قانونية في أثر قانون العفو العام على مرتكبي جرائم الفساد المالي والإداري

تُثار في الواقع العراقي إشكالية قانونية مهمة تتعلق بمدى تأثير شمول بعض المحكوم عليهم بجرائم الفساد المالي والإداري، ولاسيما جرائم الاختلاس والسرقة والرشوة والاستيلاء على المال العام، بأحكام قانون العفو العام، على مراكزهم الوظيفية أو السياسية.

وتزداد أهمية هذه الإشكالية عندما يكون الشخص المشمول بالعفو من أصحاب الدرجات الوظيفية الخاصة، كوكيل الوزير أو المدير العام، أو عندما يكون عضواً في مجلس النواب، باعتبار أن هذه المواقع لا تقوم فقط على الجانب القانوني، وإنما ترتبط بمفهوم الثقة العامة والنزاهة.

والسؤال القانوني الذي يطرح نفسه:

هل يؤدي شمول الموظف أو النائب بقانون العفو العام إلى عودته إلى وظيفته أو استعادته لعضويته النيابية؟ أم أن أثر العفو ينصرف فقط إلى العقوبة الجزائية دون أن يمتد إلى الآثار الوظيفية أو الدستورية المترتبة على الحكم؟

أولاً: الطبيعة القانونية للعفو العام

ميز الدستور العراقي لسنة 2005 بين العفو الخاص والعفو العام، إذ نصت المادة (73/أولاً) على صلاحية رئيس الجمهورية في إصدار العفو الخاص، في حين أن العفو العام يصدر بقانون من مجلس النواب.

والعفو العام لا يعني إعلان براءة المحكوم عليه، وإنما هو إجراء تشريعي يقرر إزالة الأثر الجزائي للجريمة ضمن الحدود والشروط التي يحددها قانون العفو.

فالبراءة تعني عدم ثبوت ارتكاب الجريمة، أما العفو العام فيعني أن المشرع قرر معالجة الأثر الجزائي للجريمة لأسباب يقدرها، دون أن يعني ذلك محو حقيقة الواقعة أو تحويل الفعل غير المشروع إلى فعل مشروع.

ثانياً: حدود أثر قانون العفو العام

جاء قانون العفو العام رقم (27) لسنة 2016 واضحاً في تحديد نطاق أثره، إذ لم يجعل العفو شاملاً لكل الآثار القانونية المترتبة على الفعل، وإنما أبقى المسؤوليات الأخرى قائمة، ومنها المسؤولية المدنية والتأديبية والانضباطية.

وهذا يعني أن العفو العام يتعلق أساساً بالجانب الجزائي، ولا يمتد تلقائياً إلى كل الآثار الأخرى التي قد ترتبها القوانين النافذة.

ومن ثم فإن القاعدة القانونية هي:

إن سقوط العقوبة الجزائية لا يؤدي بالضرورة إلى سقوط جميع الآثار القانونية المترتبة على الفعل المرتكب.

ثالثاً: أثر العفو العام على الموظف العام

إن جرائم الاختلاس والرشوة والاستيلاء على المال العام تعد من أخطر الجرائم الوظيفية، لأنها لا تمثل اعتداءً على المال فقط، وإنما تمثل إخلالاً بواجب الأمانة والثقة التي تقوم عليها الوظيفة العامة.

وقد جرم قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل هذه الأفعال، وقرر لها عقوبات مشددة بالنظر إلى خطورتها على المال العام وهيبة الدولة.

كما نظم قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 المعدل واجبات الموظف العام والعقوبات الانضباطية التي تفرض عليه عند ارتكابه أفعالاً تمس كرامة الوظيفة أو الثقة العامة، وقد تصل هذه العقوبات إلى العزل من الوظيفة.

وعليه فإن الموظف الذي شُمل بالعفو العام عن جريمة اختلاس أو سرقة أو رشوة لا يعني ذلك بالضرورة عودته إلى وظيفته، لأن المركز الوظيفي قد يكون قد تأثر بإجراءات انضباطية مستقلة عن العقوبة الجزائية.

وقد استقر القضاء الإداري العراقي على مبدأ استقلال المسؤولية الانضباطية عن المسؤولية الجزائية، وأن زوال الأثر الجزائي لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء الآثار الإدارية ما لم يوجد نص قانوني صريح يقضي بذلك.

رابعاً: أثر العفو العام على عضو مجلس النواب

إن عضو مجلس النواب لا يشغل وظيفة عامة بالمعنى التقليدي، وإنما يمارس اختصاصاً دستورياً مصدره ثقة الناخبين.

وقد نص الدستور العراقي في المادة (49/ثالثا) على أن تنظم بقانون شروط المرشح والناخب وكل ما يتعلق بالانتخاب.

كما نظم قانون انتخابات مجلس النواب رقم (12) لسنة 2018 المعدل شروط الترشيح والعضوية، باعتبار أن ممارسة العمل النيابي تستلزم توافر شروط قانونية وأخلاقية تتعلق بالأهلية والثقة العامة.

وعليه فإن شمول النائب بالعفو العام لا يعني تلقائياً استعادة العضوية النيابية، لأن العفو يعالج الأثر الجزائي، بينما استمرار العضوية يرتبط بتوافر شروط قانونية ودستورية أخرى.

فالعضوية النيابية ليست امتيازاً شخصياً، وإنما مركز قانوني مرتبط بثقة الشعب وبمتطلبات النزاهة العامة.

خامساً: الجرائم المخلة بالشرف وأثرها على تولي المناصب العامة

تتميز جرائم الرشوة والاختلاس وسرقة المال العام بأنها من الجرائم التي تمس شرف الوظيفة العامة، لأنها تقوم على استغلال السلطة أو الموقع لتحقيق منفعة غير مشروعة.

ولهذا رتبت القوانين العراقية آثاراً خاصة على مرتكبي الجرائم المخلة بالشرف، سواء في مجال التوظيف أو استمرار الخدمة أو تولي بعض المناصب العامة.

والهدف من ذلك ليس معاقبة الشخص مرتين، وإنما حماية المصلحة العامة وضمان عدم إشغال المواقع الحساسة من قبل من فقد أحد شروط الثقة اللازمة لها.

الرأي القانوني الراجح

من خلال استقراء النصوص الدستورية والقانونية، يتضح أن الاتجاه الأقرب للصواب هو أن قانون العفو العام لا يمكن تفسيره على أنه وسيلة لإعادة الأشخاص المشمولين به إلى مواقعهم الوظيفية أو السياسية بصورة تلقائية.

فالعفو العام هو معالجة تشريعية للأثر الجزائي، وليس قراراً بإعادة الثقة الوظيفية أو السياسية التي قد تكون فقدت نتيجة ارتكاب جريمة تمس النزاهة والشرف.

وبالتالي:

* الموظف الذي صدر بحقه قرار عزل أو إجراء انضباطي بسبب جريمة اختلاس أو رشوة أو سرقة مال عام لا يعود إلى وظيفته لمجرد شموله بالعفو، ما لم يوجد نص قانوني صريح يعيد له هذا الحق.

* وعضو مجلس النواب الذي فقد أحد شروط العضوية بسبب حكم قضائي يتعلق بجريمة مخلة بالشرف لا يستعيد عضويته تلقائياً بمجرد شمول العقوبة بالعفو، لأن العضوية تخضع لشروط دستورية وانتخابية مستقلة.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال