كندي الزهيري ||
ليست كل المصافحات الدبلوماسية تعبيرًا عن حسن النوايا، وليست كل الابتسامات التي تتصدر عدسات الإعلام انعكاسًا للواقع السياسي، ففي العلاقات الدولية، تُكتب القرارات الكبرى بلغة المصالح، بينما تُترك لغة العواطف للمؤتمرات الصحفية، أما الدول ما يطلق عليها بــ (العظمى) ، فلا تستثمر كلماتها إلا حين تكون جزءًا من مشروع “أكبر”، ولا تمنح الإطراء مجانًا إلا إذا كان أداة في “هندسة مشهد سياسي جديد”…
من هنا، فإن اللقاء الذي جمع ترامب برئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، لا ينبغي التعامل معه بوصفه زيارة بروتوكولية أو مناسبة سياسية عابرة، بل باعتباره حلقة ضمن عملية إعادة (تموضع) أمريكية في الشرق الأوسط، يكون العراق أحد أهم محاورها. لقد انشغل الإعلام بتتبع عبارات المديح التي أغدقها ترامب على الزيدي ، وبحديثه عن محبة العراق، وعن الصفقات المرتقبة، وعن الشركات الأمريكية،
إلا أن هذه العبارات، مهما بدت لافتة، ليست سوى الغلاف [ الخارجي لملف أكثر تعقيدًا، أما النص الحقيقي، فقد كُتب بين السطور، حيث تكررت مفردات الأمن، والسلاح، والاستثمار، والطاقة، وأوبك، ومضيق هرمز، وكأنها أجزاء من معادلة واحدة لا من ملفات متفرقة] . إن واشنطن لا تبدو اليوم منشغلة بإعادة احتلال الجغرافيا العراقية ، بقدر انشغالها بإعادة احتلال مفاصلها الاقتصادية. فالعالم تغير، وأدوات النفوذ تغيرت معه،
وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة تفرض سيطرتها بالجيوش، فإن الإمبراطوريات الحديثة تفعل ذلك عبر الشركات العابرة للقارات، والمؤسسات المالية، وسلاسل الطاقة، والتكنولوجيا، ورأس المال. لذلك فإن إعلان ترامب عن دخول الشركات الأمريكية إلى العراق ، لا يمكن قراءته باعتباره وعدًا استثماريًا فحسب، بل باعتباره إعلانًا عن انتقال النفوذ الأمريكي من “الثكنة العسكرية إلى السوق الإقتصادية”،
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، أكثر من مجرد إجراء أمني داخلي، إنه يمثل الشرط الذي تراه واشنطن ضروريًا قبل أن يتحول العراق إلى ساحة (استثمار كبرى). فالمستثمر لا يبحث فقط عن النفط وأن كان مهم للشركات الأمريكية ، بل يبحث أولًا عن اليقين، ولا يمكن لرأس المال أن يغامر في بيئة تتعدد فيها مراكز القوة ، أو تتداخل فيها المرجعيات الأمنية.
وهنا يلتقي الأمن بالإقتصاد في نقطة واحدة؛ إذ يتحول احتكار الدولة للقوة إلى متطلب إقتصادي قبل أن يكون مطلبًا سياسيًا. لكن القراءة الأكثر عمقًا تكشف أن ملف السلاح لا يستهدف الداخل العراقي وحده، بل يحمل رسائل متعددة الاتجاهات. فهو رسالة إلى إيران بأن معادلات النفوذ في العراق تدخل مرحلة مراجعة، كذلك للصين ، ورسالة إلى دول الخليج بأن بغداد تسعى إلى تقديم نفسها بوصفها شريكًا مستقرًا، ورسالة إلى الأسواق العالمية بأن العراق يحاول إعادة تعريف صورته ، من ساحة نزاعات إلى بيئة قابلة للاستثمار.
أما النفط، فهو الحاضر الغائب في كل كلمة قيلت خلال اللقاء. فحين يتحدث ترامب عن أوبك، ثم ينتقل إلى مضيق هرمز، ثم يتحدث عن الاستثمارات، ثم يربط ذلك بانخفاض أسعار النفط، فإنه لا يناقش ملفات مستقلة، بل يرسم ملامح إستراتيجية متكاملة لإعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي كما يعتقد . وفي قلب هذه الإستراتيجية يقف العراق، بوصفه أحد أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، والقادر على لعب دور محوري في موازنة الأسواق ، إذا ما استقرت أوضاعه السياسية والأمنية …
غير أن أخطر ما في هذا اللقاء ليس (الإقتصاد ولا الأمن)، بل محاولة إعادة تعريف طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن. فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تعرض على العراق عقدًا سياسيًا جديدًا، عنوانه الظاهر (الإستثمار)، لكن جوهره إعادة (إنتاج النفوذ الأمريكي بصيغة أقل صدامًا وأكثر رسوخًا)… فبدلًا من القواعد العسكرية، تصبح الشركات هي الحضور الدائم، وبدلًا من الجنود، يصبح رأس المال هو “” أداة التأثير”” .
وفي المقابل، فإن بغداد تحاول استثمار هذه اللحظة، للحصول على شراكة إقتصادية تعزز قدراتها التنموية، وتجذب التكنولوجيا والاستثمارات، وتفتح أبوابًا جديدة للنمو. لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرهونًا بقدرة الدولة على تحقيق توازن شديد الحساسية بين متطلبات السيادة الوطنية، وتعقيدات البيئة الداخلية، وتشابكات الإقليم. إن ما جرى في البيت الأبيض لا يمثل نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة جديدة عنوانها ” إنتقال الصراع من الميدان العسكري إلى ميدان الإقتصاد، ومن إدارة الأزمات الأمنية إلى إدارة النفوذ عبر الأسواق والاستثمارات والطاقة” .
وهذه التحولات غالبًا لا تُقاس بما يُقال في يوم الزيارة، وإنما بما يُنفذ خلال السنوات اللاحقة. ولعل أكثر ما ينبغي أن يقلق صانع القرار العراقي هو أن : القوى الكبرى لا تبني استراتيجياتها على الأشخاص، بل على المصالح. فالثناء قد يتغير، والتحالفات قد تتبدل، أما المصالح فتبقى ثابتة، وتعيد تشكيل المواقف كلما تغيرت الظروف. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا قال ترامب عن العراق؟ ، ولا ماذا قال الزيدي في واشنطن؟،
بل السؤال الذي سيحدد مستقبل المرحلة هو: هل يمتلك العراق مشروعًا وطنيًا قادرًا على استثمار هذا الانفتاح الدولي من دون أن يتحول إلى ساحة نفوذ جديدة بأدوات مختلفة؟. فإذا نجح في ذلك، فقد يكون أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس إقتصادية وسيادية أكثر قوة، أما إذا أخفق، فإن ما يبدو اليوم شراكة إستراتيجية قد يتحول غدًا إلى صيغة جديدة من (التبعية) وجعلوا تحتها الف خط ، أكثر نعومة في الشكل،
لكنها لا تقل تأثيرًا في الجوهر . أمريكا اليوم لا تريد قطع الطريق على المشروع الصيني فحسب بل تريد إنهاء ذلك الملف نهائياً، إضافة أنها تحاول ضرب إيران والصين عبر العراق ، لكن هذه المرة تحت عنوان العلاقات الاستراتيجية الاستثمارية بين العراق وامريكا !.
نعم ربما سيكون العراق محمي اقتصاديا وسياسيا، لكنها ستكون هشة …
