جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف العراق بين نفطٍ يمول الدولة ودولارٍ يختبر السيادة..!

العراق بين نفطٍ يمول الدولة ودولارٍ يختبر السيادة..!

حجم الخط


 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع ||

نبدأ مقالنا بسؤال : هل يستطيع العراق إنهاء الإعتماد المالي على واشنطن؟ وهل يكون تغيير العملة حلاً أم ستولد أزمة جديدة؟ العراق يقف اليوم أمام معادلة إقتصادية شديدة الحساسية؛ دولة تمتلك واحدة من أكبر الإحتياطيات النفطية في العالم، لكنها ما زالت تعتمد بصورة هائلة على مورد واحد لتمويل موازنتها، فيما تمر إيراداتها النفطية الدولارية عبر منظومة مالية دولية تمنح الولايات المتحدة نفوذاً كبيراً على حركة الدولار العراقي، وهنا لا بد من التفريق بين الإعتماد المالي والوصاية القانونية، فالعراق لا يستطيع القول ببساطة إن الولايات المتحدة تملك أمواله، لكن الحقيقة أن عائدات النفط العراقية الدولارية تُدار ضمن ترتيبات مرتبطة بالنظام المالي الأمريكي، وبالأخص حسابات لدى الإحتياطي الفيدرالي في نيويورك.

أصبحت هذه الآلية منذ سنوات إحدى أدوات حماية الأموال العراقية من المطالبات الخارجية، لكنها في الوقت نفسه منحت واشنطن قدرة مؤثرة على مراقبة حركة الدولار العراقي والتعاملات المرتبطة به، وهنا تكمن المفارقة الآلية التي تحمي المال العراقي يمكن أن تتحول، في ظروف سياسية معينة، إلى مصدر ضغط على القرار العراقي.

النفط: نعمة تمول الدولة ومشكلة تهددها، المشكلة الأساسية ليست في النفط نفسه، وإنما في أن الدولة العراقية لم تنجح حتى الآن في بناء إقتصاد موازٍ قادر على تمويلها عندما يتراجع سعر النفط أو تتعرض صادراته للإضطراب؛ صندوق النقد الدولي حذر من تفاقم الإعتماد العراقي على النفط، مشيراً إلى أن سعر النفط اللازم لمعادلة الموازنة إرتفع إلى نحو 84 دولاراً للبرميل في 2024، مقابل 54 دولاراً في 2020، ودعا إلى زيادة الإيرادات غير النفطية وإعادة النظر في الإنفاق العام وتجنب تمويل العجز نقدياً، وهذه ليست مشكلة نظرية.

عندما تتراجع أسعار النفط، العراق لا يخسر فقط جزءاً من إيراداته، بل يجد نفسه أمام سلسلة كاملة من الضغوط:

رواتب → تقاعد → نفقات تشغيلية → مشاريع → دعم → استيرادات → دولار → إحتياطي أجنبي، أي أن النفط أصبح عملياً شريان الإقتصاد العراقي كله، وقد كشفت إضطرابات سوق النفط المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز خلال 2026 مدى هشاشة هذه المعادلة، إذ حذرت وكالة S&P من تأثير إنخفاض الإنتاج النفطي على الإستقرار المالي والخارجي للعراق.

هل يمكن للعراق أن يرفع ما يسمى بالوصاية المالية الأمريكية؟ نعم، ولكن ليس بقرار سياسي مفاجئ؛ لا يمكن للعراق أن يقول غداً: «سنخرج أموالنا من الولايات المتحدة»، ثم تنتهي المشكلة، الإستقلال المالي الحقيقي يحتاج إلى بناء منظومة تستطيع أن تحمي الأموال العراقية وتديرها وتستخدمها دولياً من دون أن تكون رهينة لممر مالي واحد، والطريق إلى ذلك يمر عبر عدة خطوات:

أولاً: تقوية البنك المركزي العراقي ومؤسساته الرقابية.

ثانياً: إصلاح المصارف الحكومية والأهلية وربطها بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ثالثاً: تنويع الإحتياطيات والأصول الأجنبية، وعدم وضعها كلها في قناة أو أداة واحدة.

رابعاً: رفع الإيرادات غير النفطية من الجمارك والضرائب والقطاعات الإنتاجية.

خامساً: تحويل جزء من عائدات النفط إلى إستثمارات طويلة الأجل بدلاً من إستهلاكها بالكامل في الرواتب والنفقات الجارية.

سادساً: بناء قطاع مصرفي عراقي قادر على التعامل مع البنوك العالمية بصورة مباشرة وشفافة.

وهنا تأتي نقطة شديدة الأهمية: الإستقلال المالي لا يعني الإنفصال عن النظام المالي العالمي، بل يعني أن يصبح العراق جزءاً قوياً من هذا النظام لا دولة تعتمد على منفذ واحد للدخول إليه.

ما الذي تخسره بغداد إذا إستمرت حالة الإعتماد المالي؟ إستمرار الوضع الحالي يحمل عدة مخاطر:

أولها أن يصبح الدولار أداة ضغط سياسية في لحظة الخلاف بين بغداد وواشنطن.

وثانيها أن تبقى المصارف العراقية تحت تدقيق شديد بسبب مخاطر غسل الأموال وتهريب الدولار.

وثالثها أن يؤدي أي تصعيد إقليمي إلى إضطراب حركة الدولار أو التجارة والإستيراد.

وقد شهد العراق بالفعل إجراءات أمريكية إستهدفت مصارف عراقية ومنعتها من التعامل بالدولار، في سياق حملة لمكافحة غسل الأموال وتهريب الأموال إلى جهات خاضعة للعقوبات.

واشنطن أوقفت في إحدى مراحل التصعيد شحنات من النقد الأمريكي إلى العراق، وهو ما كشف مدى حساسية الإعتماد على الدولار النقدي في السوق العراقية، إذن المشكلة ليست أن الدولار سيختفي من العراق، وإنما أن قدرة العراق على الحصول على الدولار وإستخدامه عبر القنوات الرسمية قد تصبح جزءاً من معادلة سياسية أكبر؛ وماذا عن تغيير العملة؟ هنا يجب أن نكون أكثر حذراً، هناك فرق بين ثلاثة أشياء يجري أحياناً خلطها في النقاش العام:

تغيير شكل العملة، وسحب بعض الفئات، وحذف الأصفار.

هذه ليست شيئاً واحداً، البنك المركزي العراقي هو الجهة المسؤولة قانونياً عن تحديد فئات العملة وإصدارها وسحبها وإستبدالها، كما أن الأوراق النقدية المتداولة تتمتع بقوة إبراء قانونية، ولا يجوز التمييز بين فئاتها بصورة مخالفة للتعليمات؛ والبنك المركزي نفسه أصدر فئة 50 ألف دينار عام 2015 لتكمل سلسلة العملة المتداولة، بينما توجد فئة 25 ألف دينار ضمن الإصدارات المتداولة أيضاً لذلك فإن الكلام عن إلغاء فئتي 25 ألف و50 ألف دينار يحتاج إلى توضيح: هل المقصود سحب الفئتين فقط؟ أم إعادة هيكلة العملة وحذف الأصفار؟

الفرق إقتصادي هائل، إذا سُحبت فئتا 25 و50 ألف دينار فقط قد تكون هناك بعض الإيجابيات، مثل:

♦️تقليل حجم النقد الكبير المتداول.

♦️تسهيل الإنتقال التدريجي إلى المدفوعات الإلكترونية.

♦️الحد من بعض التعاملات النقدية الكبيرة غير المعلنة.

لكن السلبيات قد تكون أكبر إذا تم الأمر بصورة مفاجئة؛ فقد يتعرض المواطن إلى:

إرتباك في الأسعار، صعوبة في إستبدال الأموال، إزدحام المصارف، توسع السوق السوداء، فقدان الثقة، ومحاولات لإستغلال المواطن من خلال فروق الصرف والأسعار، والأخطر أن أصحاب الأموال غير المشروعة قد يحاولون تحويل أو تهريب أموالهم قبل إنتهاء فترة الإستبدال، لذلك لا يجوز أن يكون القرار:

«إبتداءً من غدٍ لا تُقبل فئة 25 ألفاً و50 ألفاً» فهذا سيكون خطأ إقتصادياً وإجتماعياً كبيراً، أما حذف الأصفار فهو قضية مختلفة تماماً؛ إذا كان المقصود مثلاً تحويل:

25,000 دينار إلى 25 ديناراً جديداً و 50,000 دينار إلى 50 ديناراً جديداً مع تحويل جميع الأسعار والرواتب والودائع والعقود بالقيمة نفسها، فهذا يسمى عملياً إعادة تسمية أو إعادة تقويم للعملة وهنا يجب أن نفهم شيئاً أساسياً، حذف الأصفار لا يجعل المواطن أغنى إذا كان راتب الموظف مليوناً، ثم حُذفت ثلاثة أصفار، يصبح الراتب ألف دينار جديد، لكن إذا كان سعر السلعة ألف دينار قديم، يصبح سعرها ديناراً جديداً.

القوة الشرائية لا تتغير بمجرد حذف الأصفار؛ لذلك فإن حذف الأصفار ليس علاجاً للفساد، ولا علاجاً لعجز الموازنة، ولا علاجاً للإعتماد على النفط، ولا علاجاً لسعر الصرف، هو إصلاح نقدي وتنظيمي يمكن أن يصبح مفيداً إذا جاء بعد إستقرار إقتصادي حقيقي.

متى يكون تغيير العملة مفيداً للعراق؟ برأيي يمكن أن يكون مفيداً إذا سبقه:

إستقرار سعر الصرف + إنخفاض التضخم + ضبط الإنفاق الحكومي + إصلاح المصارف + مكافحة غسل الأموال + زيادة الإيرادات غير النفطية + ثقة المواطنين بالبنك المركزي، أما إذا غيرنا العملة بينما بقيت الدولة تعتمد على النفط بنسبة هائلة، وبقي العجز المالي قائماً، وبقيت المصارف ضعيفة، وبقيت السوق الموازية للدولار نشطة، فإننا سنكون قد غيّرنا شكل النقود ولم نغيّر الإقتصاد، والبنك المركزي أكد في حزيران 2026 أن أولويته هي دعم الدينار والإستقرار النقدي، وحذر من تصوير الإجراءات المتعلقة بإدارة العملة على أنها «طباعة نقد» أو تغيير خطير في السياسة النقدية كما شدد على ضرورة بناء هوامش أمان وتنويع الإقتصاد ومصادر الإيرادات.

الميزان: الإيجابيات مقابل السلبيات..

🔴إيجابيات إعادة هيكلة العملة

♦️تسهيل الحسابات والمعاملات.

♦️تقليل حجم الأرقام في العقود والميزانيات.

♦️تسهيل الأنظمة المحاسبية والمصرفية.

♦️إمكانية دعم الانتقال إلى إقتصاد رقمي.

♦️تحسين الصورة النقدية للعملة إذا رافقها إستقرار إقتصادي حقيقي.

🔴السلبيات والمخاطر

♦️إرتباك مؤقت في الأسعار.

♦️إحتمال إستغلال المواطن برفع الأسعار.

♦️تكاليف طباعة وإستبدال العملة.

♦️الحاجة إلى حملة توعية واسعة.

♦️إحتمال تهريب أو غسل الأموال خلال مرحلة الإستبدال.

♦️إحتمال المضاربة بالدولار.

♦️فقدان الثقة إذا لم تكن العملية شفافة.

♦️والأخطر: إمكانية تحول الإصلاح إلى تخفيض فعلي للقوة الشرائية إذا لم تكن قواعد التحويل صارمة.

الحل ليس في الورقة النقدية وحدها، العراق لا يحتاج اليوم إلى «عملة جديدة» بقدر ما يحتاج إلى إقتصاد جديد، العملة القوية ليست نتيجة طباعة ورقة أجمل، وإنما نتيجة إقتصاد قوي؛ والدينار لا يستعيد قوته بإلغاء ثلاثة أصفار، وإنما عندما يصبح العراق قادراً على إنتاج الغذاء، وتشغيل الصناعة، وتطوير الزراعة، وتحصيل الضرائب والجمارك، وجذب الإستثمار، وإيقاف الهدر العام والخاص، وتقليص الإقتصاد الموازي.

ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي يجب أن يبدأ من المعادلة التالية:

نفط → صندوق سيادي وإستثمارات وليس

نفط → رواتب ونفقات إستهلاكية.

وهذا تحديداً يتفق مع جوهر توصيات صندوق النقد الدولي للعراق بشأن ضبط الإنفاق، وزيادة الإيرادات غير النفطية، وإعادة بناء الهوامش المالية، وتجنب تمويل العجز بطريقة تضغط على الإحتياطيات والإستقرار النقدي.

العراق أمام خيارين:

إما أن يبقى إقتصاداً ريعياً نفطياً يعيش على تدفق الدولار، فتظل سياسته المالية والنقدية معرضة للضغط الخارجي عند كل أزمة، أو يبدأ تدريجياً ببناء سيادة إقتصادية حقيقية لا تعني قطع العلاقة مع الولايات المتحدة، وإنما تعني إمتلاك القدرة على إدارة المال العراقي عبر مؤسسات عراقية قوية، مع بقاء العراق مرتبطاً بالنظام المالي العالمي.

أما تغيير العملة، فإذا كان المقصود سحب فئتي 25 و50 ألف دينار، فيجب ألا يتم إلا بمرحلة إنتقالية طويلة وضمانات مصرفية كاملة، وإذا كان المقصود حذف الأصفار، فذلك يمكن أن يكون مشروعاً إصلاحياً جيداً على المدى البعيد، لكنه ليس علاجاً للمرض الإقتصادي نفسه، فالمرض الحقيقي في العراق ليس أن الورقة النقدية تحمل خمسة أرقام أو ستة أرقام، المرض أن إقتصاداً بحجم العراق ما زال يعتمد على مورد واحد، وأن دولة تملك النفط لا تزال بحاجة إلى الدولار كي تمول معظم حياتها الإقتصادية.

لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع فئة الـ25 ألف أو الـ50 ألف دينار، وإنما مع إقتصاد الريع، والإنفاق الإستهلاكي، والفساد، وضعف المصارف، والإعتماد المفرط على النفط؛ إذا عولجت هذه الملفات، تصبح العملة أداة للإصلاح، أما إذا بدأنا بالعملة قبل إصلاح الإقتصاد، فقد نغيّر شكل الأزمة دون أن نغيّر الأزمة نفسها.

ملاحظة: تم الإعتماد على مصادر متعددة والإستعانة بها لكتابة هذا المقال


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال