جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف الطالب ليس رقماً… حين تتحول اللقاءات الطلابية إلى مساحة لصناعة الوعي.. قراءة في دلالة اللقاءات الدورية مع النخب الطلابية..!

الطالب ليس رقماً… حين تتحول اللقاءات الطلابية إلى مساحة لصناعة الوعي.. قراءة في دلالة اللقاءات الدورية مع النخب الطلابية..!

حجم الخط

 


رغدان الخزعلي

هناك صورٌ تُلتقط لتوثيق لحظة، وهناك صورٌ تستحق أن نتوقف أمامها قليلاً؛ لأنها لا تقول كل شيء، لكنها تفتح الباب لأسئلة أكبر من تفاصيل اللحظة نفسها.

الصورة التي تجمع الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق، سماحة الشيخ قيس الخزعلي، مع نخبة من القيادات الطلابية في حركة الصادقون، يمكن أن تُقرأ من زاوية تتجاوز كونها صورة لقاء أو مناسبة.

السؤال الأهم ليس: من حضر اللقاء؟

بل: لماذا أصبحت اللقاءات مع النخب الطلابية مساحةً متكررة تستحق التوقف عندها؟

فاللقاء الطلابي، حين يتكرر، لا يعود مجرد نشاط عابر في جدول المناسبات؛ وإنما يصبح ــ من حيث المبدأ ــ مساحة للتواصل مع شريحة تمتلك موقعاً خاصاً في تشكيل وعي المجتمع مستقبلاً.

فالطالب الجامعي ليس مجرد شخص ينتظر التخرج.

إنه عقلٌ يتشكل، وشخصيةٌ تتبلور، وموقفٌ يتكوّن، وعلاقةٌ بالمجتمع والدولة والآخرين تتحدد تدريجياً.

ومن هنا تبدأ أهمية النظر إلى هذه اللقاءات بعيداً عن الشكل البروتوكولي لها.

من استذكار الرموز… إلى سؤال الأجيال

جاء اللقاء في أجواء مرتبطة باستذكار السيد حسن نصر الله ومسيرته، مع التأكيد على أهمية استلهام ما يُطرح من قيم وتجارب ودروس.

لكن استحضار الرموز أمام جيل الشباب لا تكون قيمته في استعادة الماضي وحدها.

القيمة الحقيقية تبدأ عندما يتحول الماضي إلى سؤال للحاضر:

ماذا نتعلم؟

ماذا نختلف حوله؟

ما الذي يمكن أن نأخذه من التجارب السابقة؟

وكيف يستطيع جيل جديد أن يتعامل مع واقع مختلف وتحديات مختلفة؟

فالجيل الجامعي اليوم يعيش عالماً سريع التحول؛ عالم التكنولوجيا والمعلومة المفتوحة، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع الحدود التقليدية بين المعلومة والرأي، وبين التأثير والتأثر.

ولهذا فإن صناعة الوعي لدى الشباب لم تعد مهمة هامشية.

بل ربما أصبحت واحدة من أكثر القضايا حساسية في تشكيل مستقبل المجتمع.

لماذا النخب الطلابية تحديداً؟

لأن النخبة الطلابية ليست بمعنى الامتياز الاجتماعي، وإنما باعتبارها مجموعة من الشباب الذين يمكن أن يكون لهم تأثير داخل بيئاتهم الجامعية والاجتماعية.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً:

هل نريد من الطالب أن يكون متلقياً للرسالة، أم شريكاً في صناعة الوعي؟

الفرق بين الاثنين كبير.

المتلقي يسمع ثم ينصرف.

أما الشريك، فيناقش ويسأل ويختلف ويبحث ويعيد إنتاج الفكرة بطريقة تتناسب مع واقعه.

وهذه النقطة تحديداً هي التي ينبغي أن تكون حاضرة في أي مشروع يستهدف الشباب.

فالجامعة لا تحتاج إلى شباب يحفظون الإجابات فقط؛ وإنما تحتاج إلى شباب يعرفون كيف يطرحون الأسئلة. العراق… حين يكون الاختلاف أقل من الوطن

وربما تحمل الصورة دلالة أخرى تستحق التأمل.

في بلدٍ مرّ بتجارب جعلت من الهويات الفرعية أحياناً أدواتٍ للتباعد، يصبح بناء مساحة مشتركة بين الشباب قضية تتجاوز المناسبة نفسها.

فالطائفية لا تُواجه فقط برفض خطابها، وإنما بإنتاج وعي يجعل الإنسان يرى الآخر أولاً بوصفه إنساناً ومواطناً وشريكاً في وطن واحد.

ولا يعني ذلك إلغاء الاختلاف.

فالعراق ليس بحاجة إلى مجتمع متطابق في أفكاره، ولا إلى جيل متشابه في مواقفه.

العراق يحتاج إلى جيل يستطيع أن يقول:

نختلف… ولكننا لا نتخاصم.

نتنوع… ولكننا لا نتفرق.

نمتلك قناعات مختلفة… ولكن الوطن يتسع لنا جميعاً.

وهنا يمكن للجامعة أن تكون واحدة من أهم المساحات التي يتعلم فيها الشباب هذه المعادلة.

الاختبار الحقيقي ليس داخل القاعة

كل لقاء ينتهي في لحظة.

تُلتقط الصور، تُكتب الكلمات، تُنشر الأخبار، ثم يغادر الحاضرون.

لكن الأثر الحقيقي لا يُقاس بما حدث داخل القاعة، وإنما بما يحدث بعد مغادرتها.

هل يعود الطالب إلى جامعته أكثر وعياً؟

هل يصبح أكثر قدرة على الحوار؟

هل يتعامل مع المختلف معه باعتباره خصماً أم شريكاً؟

هل يستطيع أن يميز بين المعلومة والشائعة؟

هل يتحول من مستهلك للمحتوى إلى صانعٍ واعٍ له؟

وهنا تحديداً يصبح الحديث عن الوعي الطلابي أكثر أهمية من الحديث عن عدد اللقاءات أو عدد المشاركين.

الرسالة التي تستحق أن تصل إلى الشباب

إن اللقاءات الدورية مع الطلبة يمكن أن تكون أكثر من نشاط تنظيمي أو مناسبة اجتماعية، إذا تحولت إلى مساحة حقيقية للحوار والمعرفة وبناء المسؤولية.

فالشباب لا يحتاجون فقط إلى من يخبرهم ماذا يفكرون، بل يحتاجون أيضاً إلى من يساعدهم على أن يتعلموا كيف يفكرون.

وهذه، في تقديري، هي النقطة الأكثر أهمية في المشهد كله.

أن ننتقل من صناعة جمهور إلى صناعة وعي.

ومن الحضور إلى المشاركة.

ومن حفظ التجارب إلى فهمها.

ومن استذكار الماضي إلى بناء المستقبل.

فالعراق الذي نريده لا يصنعه جيلٌ متشابه، وإنما جيلٌ متعدد في أفكاره، متماسك في وعيه، مختلف في آرائه، ومشترك في انتمائه إلى وطنه.

وربما لهذا السبب تحديداً تستحق هذه اللقاءات أن تُقرأ لا كخبرٍ ينتهي بانتهاء المناسبة، بل كسؤال مفتوح:

ماذا نريد من جامعاتنا أن تنتج؟

شهاداتٍ فقط… أم جيلاً يستطيع أن يحمل مسؤولية العراق؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.



التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال