الكاتبة انتصار الماهود ||
لم تكن الحياة سهلة عليه أبدا، فما إن بدأ رفضه لطغمة البعث الكافر حتى تحول إلى هدف متحرك لسياطهم ومطاردا في محافظته.
ثمن كلمة “لا” للبعث دفعه غاليا، والقبول بالوضع القائم كان بالنسبة إليه مؤلما، لذلك ارتضى أن يفارق الأهل ويبتعد عنهم ويختفي عن عيون أزلام صدام، حتى تتوقف مطاردتهم ومساءلتهم لأحبته. غادر محافظة واسط مكرها ومجبرا، ليستقر في بغداد ويبدأ حياته من جديد في منطقة الشعب، بعيدا عن أعين الجلاوزة ولو لفترة مؤقتة.
حياة لطيف لم تكن لطيفة أبدا، فقد عانى هذا الرجل كثيرا، وتلك المعاناة صنعت منه مقاتلا شرسا ومدافعا باسلا عن وطنه حتى آخر لحظات حياته.
ولد الشهيد السعيد لطيف علي خفيف القريشي في الأول من تموز عام 1966 في محافظة واسط، ونشأ في بيئة محافظة عشائرية متماسكة اجتماعيا.
رباه والده على الالتزام الديني والعقائدي، وكان الجميع يشهد له بحسن الخلق ولين الجانب، بارا بوالديه، مؤديا واجباته الشرعية والدينية، محبا للحسين عليه السلام، الثائر على الظلم والسائر على نهجه.
أكمل دراسته الإعدادية وعمل في عدة وظائف، من بينها إحدى الوظائف الحكومية آنذاك، لكن رفضه لنظام البعث جعله مطاردا في مدينته، وغير آمن على عائلته، لذلك توجه إلى العاصمة بغداد، وعمل سائقا للنقل الخاص في مدينة الشعب.
بعد سقوط نظام البعث عام 2003، تنفس لطيف الصعداء أخيرا، فلم تعد هناك مطاردة من أصحاب التقارير، ولا رجال بالبدلات السفاري والزيتوني يتجولون بين المنازل لرصد حركات من يعارض الرئيس صدام و لا يصفق له.
لكن فرحته كانت منقوصة بسبب دخول قوات الاحتلال إلى العراق، وتصاعد الحركات الإرهابية الوهابية المدعومة خارجيا، ومنها تنظيم القاعدة.
لذلك انضم لطيف إلى حركة المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق في بداياتها عام 2005، وشارك في أغلب العمليات القتالية ضد القوات الأمريكية.
تخصص في قسم التدخل والإسناد، وتسنم مسؤولية الآليات، وكان المجاهدون يستشعرون اطمئنانا كبيرا حين يكون سيد لطيف معهم.
شارك في مواجهات المقاومة ضد تنظيم القاعدة التكفيري في بغداد، وكان رجلا ذكيا يمتلك حسا أمنيا عاليا، وكاتما لأسراره، حتى إن أهله لم يكونوا يعلمون بالمعارك التي يخوضها والمواجهات التي كانت تقربه من الموت في كل لحظة. كان يرى أن واجب المجاهد الحقيقي أن يكون عمله خالصا لله، بلا تباه ولا فخر، وأن الفخر الحقيقي لا يكون إلا في ساعة الارتقاء والشهادة.
شارك لطيف في معارك الدفاع العقائدي المقدس ضد عصابات داعش التي هددت مقام السيدة زينب عليها السلام في سوريا، فكان من طليعة المجاهدين الذين خاضوا أشرس المعارك على أرض الشام.
ثم عاد إلى العراق ليتطوع ضمن صفوف المجاهدين المدافعين عن أرضهم، ضد التنظيم الإرهابي الذي استباح ثلث البلاد، فشارك في معارك التحرير بعدة محاور، بينها (صلاح الدين والأنبار والموصل) وكان مسؤولا عن إيصال الدعم اللوجستي لابعد نقطة كان يتواجد فيها المجاهدون.
وفي الثامن من آب عام 2022، ارتقى لطيف شهيدا، تاركا خلفه عائلة كبيرة محبة وأربعة أبناء، لكنه ترك قبلهم سيرة رجل عاش عزيزا، ومضى عزيزا، واختار طريقه بوعي وثبات. لم تكن شهادته نهاية الحكاية، بل كانت خاتمة تليق برجل حمل هم الوطن والعقيدة، وواجه الظلم والإرهاب، ولم يتراجع حين كانت طريق الشهادة أقرب الطرق إلى الله.
سلام على روح لطيف يوم ولد، وسلام عليه يوم قاوم الظلم، وسلام عليه يوم حمل سلاحه دفاعا عن العراق والمقدسات، وسلام عليه يوم ارتقى شهيدا تاركا أبناءه وأهله أمانة في أعناق من أحبوه. سلام على رجل لم تكن حياته لطيفة، لكنه جعل نهايتها عظيمة، فاختار أن يكون دمه شاهدا على وطن دافع عنه حتى آخر نفس.
