عباس سرحان ||
منذ أن التقى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت بالملك عبد العزيز آل سعود على متن الطراد كوينسي عام ١٩٤٥، قامت العلاقة بين الرياض وواشنطن على معادلة بسيطة في ظاهرها، عميقة في آثارها، تقضي بأن تضمن المملكة تدفق النفط واستقرار أسواقه، وأن تتكفل الولايات المتحدة في المقابل بأمنها وحماية عرشها. وعلى امتداد ثمانية عقود تقريباً، أوفت الرياض بنصيبها من هذه المعادلة وزادت عليه، فاشترت السلاح الأمريكي بمئات المليارات، وضخت فوائضها المالية في سندات الخزانة الأمريكية وأسواقها، ثم جاءت تعهدات عام ٢٠٢٥ لتضيف إلى ذلك كله ستمئة مليار دولار سرعان ما ارتفعت الوعود بها إلى ما يقارب التريليون، تحت عنوان الاستثمار والشراكة، وهي في حقيقتها رافعة لاقتصاد أمريكي مثقل بالديون وبحاجة إلى السيولة.
غير أن هذا السجل الطويل من الوفاء لم يشفع للمملكة حين جاءت ساعة الاختبار. ففي الحادي عشر من أيلول الماضي، طلب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان من الرئيس دونالد ترامب الدعم في مواجهة أنصار الله، فجاءه الرفض، ثم عادت الرياض لتكرر طلبها بأن تشارك الطائرات الأمريكية في ضرب مواقع صنعاء، فلم تلق سوى الاعتذار ذاته، مع وعد بتقديم المعلومات الاستخبارية والمساعدة في كل شيء ما عدا الانخراط العسكري المباشر. وفيما يتحدث وزير الخارجية ماركو روبيو عن اتفاقية دفاعية تعتزم بلاده الالتزام بها، تكتفي إدارته عملياً بترديد أن المملكة قادرة على الدفاع عن نفسها، في مفارقة لافتة تجعل واشنطن التي تحشد حاملات طائراتها في المنطقة عاجزة عن إيجاد طائرة واحدة تهب بها لنجدة حليفها الأقدم في الخليج. ولعل المملكة التي أدّت لعقود دور صمام الأمان لأسواق النفط، فأبقت أسعاره عند الحد الذي يدير عجلة المصانع في أمريكا والغرب ويجنّب الناخب الأمريكي غضب محطات الوقود، تكتشف اليوم أن واشنطن تحرص على استقرار سعر البرميل السعودي أكثر من حرصها على أمن من يستخرجه، وأن طائراتها إن تحركت يوماً فلن تتحرك حين تشتعل المنشآت في الرياض وأبها، وإنما حين يقترب لهيبها من لوحات الأسعار في محطات تكساس وأوهايو.
لا شك أن الرياض تشعر اليوم بمرارة الخذلان، وهي مرارة تكشفها خطواتها الأخيرة أكثر مما تكشفها تصريحات مسؤوليها، إذ لجأت إلى تفعيل حلف مكة الدفاعي مع تركيا وباكستان، واستدعت قوات البلدين إلى أراضيها، في اعتراف ضمني بأن المظلة الأمريكية التي استظلت بها عقوداً قد اتسعت ثقوبها حتى لم تعد تقي من المطر. حين تبحث دولة بثقل السعودية عن حماة جدد في لحظة الخطر، فذلك يعني أنها أدركت، ولو متأخرة، أن الحليف الذي راهنت عليه لم يعد يرى في أمنها أولوية.
بيد أن المشكلة الأعمق لا تكمن في موقف واشنطن بقدر ما تكمن في القراءة السعودية للمشهد، فقد ظنت القيادة في الرياض أن التحالف مع أمريكا التزام ثابت لا يتبدل بتبدل المصالح، ولم تنتبه إلى أن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط باتت تُرسم بعين إسرائيلية، وأن البيت الأبيض لا يقيس مواقفه في المنطقة بمقياس مصالحه المباشرة وحدها، وإنما بما يخدم مشروع بنيامين نتنياهو الذي لم يعد يخفي تعلقه برؤية إسرائيل الكبرى وطموحه إلى التمدد على حساب دول الجوار وثرواتها وسيادتها.
حين شنت السعودية حربها على اليمن عام ٢٠١٥، وقفت إلى جانبها إدارة باراك أوباما بالدعم اللوجستي وتزويد طائراتها بالوقود والمعلومات، ثم جاء ترامب في ولايته الأولى ليغدق عليها صفقات السلاح، ويستخدم حق النقض عام ٢٠١٩ لإسقاط قرار الكونغرس الداعي إلى وقف المشاركة الأمريكية في تلك الحرب. أما تل أبيب، فقد رأت في تلك الحرب فرصة لإغراق المنطقة في صراع يشغلها عن فلسطين ويبدد ثرواتها، ويصرف أكبر دولة خليجية عن أي دور قد يزعجها. يومذاك التقت مصلحة الطرفين على إطالة أمد الحرب وتغذيتها بالسلاح، فيما وجد اليمنيون أنفسهم يدافعون عن أرضهم في وجه عدوان لم يختاروه ولم يسعوا إليه.
اليوم تغيرت المعادلة، فما عادت إسرائيل ترى في السعودية شريكاً لا غنى عنه في مشروعها، وإنما دولة يُستحسن أن تكون أضعف مما هي عليه. فالمملكة، بثقلها الديني بوصفها حاضنة الحرمين، وبثروتها النفطية، وبموقعها في قلب الجزيرة العربية، تبقى من الدول القليلة في المنطقة التي تملك أوراق ضغط قد تربك الحسابات الإسرائيلية إن قررت استخدامها يوماً. ومن هنا يبدو صمت واشنطن وتل أبيب صمتاً محسوباً، يراهن على أن تمضي الرياض في حرب اختارتها بنفسها حتى تستنزف قدراتها واقتصادها، فإذا خرجت منها منهكة مثقلة بالجراح، وجد نتنياهو أمامه دولة أقل قدرة على الاعتراض، وأكثر استعداداً لقبول ما يُملى عليها.
بهذا المعنى، أدخلت السعودية نفسها في مأزق وجودي لم يكن له ما يبرره، فالحرب التي بدأت قبل أحد عشر عاماً بوعود حسم خاطف في أسابيع، تحولت إلى نزيف مفتوح وصل اليوم إلى مطاراتها ومصافيها ومنشآتها الاقتصادية، بينما يقف الحليف الذي دفعت له بسخاء متفرجاً ينتظر النهاية. ولم يعد أمام الرياض من مخرج يحفظ لها أمنها وكرامتها سوى أن تسارع إلى إنهاء هذه الحرب، والجلوس إلى طاولة تفاوض جادة مع صنعاء، تقبل فيها بالشروط العادلة التي يطرحها أنصار الله، من رفع الحصار ووقف العدوان إلى صرف رواتب اليمنيين والتعويض عما خلفته الحرب وخروج القوات الأجنبية وترك اليمنيين يقررون مصيرهم بأنفسهم.
إن الخروج المشرف من حرب خاسرة خير ألف مرة من انتظار نجدة لن تأتي، والدولة التي تحسن قراءة مصالحها تدرك أن جارها الذي يقاسمها الجغرافيا والتاريخ أبقى لها من حليف يقيس الوفاء بميزان الصفقات، ولا يتردد في التخلي عنها حين يرى في إضعافها مكسباً لحليفه الأقرب في تل أبيب.
