د. محمد ابو النواعير ||
مع ان دراسته الصمدانية قد تم نشرها في معهد مهم وكبير (معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى)، الا ان منقذ داغر في دراسته الاخيرة المنشورة في موقع هذا المعهد، قد اضاف ترسيخا عمليا لفكرة مثلت سياسة امريكا ومحورها الغربي في العراق، مفادها (يجب تشرنة العراق، وعلمنته، واطفاء كل فواعل الوعي الديني والاخلاقي فيه)، هذه الفواعل التي تمثل مسببات رئيسية لحفاظ العراقيين على اخلاقهم الاجتماعية، والدينية و الشرفية.
لذا جاء تقرير داغر، تشريني علماني (متطرف) بامتياز، معادي لشيعة العراق بشكل واضح، وان تغلف باطار تحليلي (غير موضوعي- يفتقر للمصادر والإحالات المرجعية)، مستغلا لاصناف متعددة واشكال متنوعة من التدليس والتلاعب بالالفاظ، مع انحيازه بشكل تام (غير موضوعي)، وتركيزه بشكل واضح فاضح، للنقد المبني على دغدغة المشاعر، ضد جهة واحدة فقط (الشيعة)،
مرة بتمثلاتهم السياسية، ومرة بتمثلاتهم الاجتماعية، ومرة بتمثلاتهم الدينية، ومرة بتمثلاتهم الانتخابية، محاولا قدر الاستطاعة (وهو الهدف الحقيقي من دراسته هذه) ان يوهم اكبر قدر من القراء ( وبالاخص الشباب منهم)، بان هناك قطيعة كبيرة، وعداء جنوني، وتسوير داخلي، يفصل ما بين جمهور الشيعة، وما بين تمثلاتهم الدينية والعقدية والتاريخية والسياسية، داخل العراق،
محاولا في الوقت نفسه، استبعاد كل اشكال النقد والتقييم وكشف مواطن الخطأ والفساد والارهاب والعمالة للاسرائيلي، الذي لف التمثلات السياسية والعقدية للكيانات الأخرى، ولا كأن اكثر من ١٥٠ الف شهيد من شيعة العراق، تقطعت اوصالهم، نتاج تفجيرات تكفيرية نتنة، تبناها فكر عقدي وسياسي لبعض اتباع المكونات الأخرى (علما ان هناك بيئة اجتماعية كانت حاضنة لهم، تمارس دعما وتأييدا وتخادما متبادلا لهذا الفكر العقدي التكفيري واتباعه)، ولا كأن زهق ارواح عشرات الالاف من شيعة ال البيت في العراق، يعد عملا اضر بالعراق وعمل على تأخيره لعقود، وساهم في وأد الروح الوطنية التي يدعو لها داغر في دراسته، في محاولة لدغدغة المشاعر.
مقال داغر، اضاف اضافة نوعية لمشروع، كل هدفه هو اقتطاع العراق (وشيعة العراق تحديدا)، من جسد الاسلام، وتحويله الى ماكنة تابعة للصهاينة والغرب، تنفذ املائاتهم بشكل حرفي، اضافة الى ان داغر في دراسته هذه، كانت تحركه نزعات نفسية، وعقد متراكمة، وتوجهات في ظاهرها علمانية مدنية، وفي باطنها تحمل عداء شديدا لكل قيم واخلاقيات ومعتقدات شيعة العراق، هذه القيم والمعتقدات التي تمثل الفواعل الرئيسية لصنع الوعي الوطني والسياسي والاخلاقي الاجتماعي، والتي هي تمثل جزءا
رئيسيا من تاريخه الوجودي، وهويته الحقيقية.
والخطأ الكارثي الذي وقع فيه داغر، انه ادعى بان التيار الصدري قد اشترك بانتخابات ٢٠٠٥، علما ان الصدريين لم يشتركوا باجمعهم، في الانتخابات في ذاك الزمن الذي كانوا يمثلون فيه تكتلا واحدا مفردا، قبل ان يتم اقتطاعهم الى كيانات سياسية وعسكرية باتت تعرف فيما بعد باسم فصائل المقاومة.
الذي يقرأ الدراسة بعين المطالع، سيجدها دراسة موضوعية مستوفية للحالة الانتخابية في العراق، ولكن الذي يقرأها بعين المحلل الاكاديمي، الذي يتوخى البحث عن المقومات الموضوعية ، والحقائق المسندة الى وقائع، سيجد الدراسة مملوءة بالتدليس وتحريف الحقائق، بل سيكتشف مقدارا كبيرا من التوهيم والتلاعب بالحقائق، الذي مارسه داغر، والذي غلفه بغلاف دعوة، ظاهرها الوطنية، وباطنها تهيئة الاساس الاجتماعي والنفسي والانفعالي، لتقبل التبعية لمعسكر طالما اوغل حربا وقتلا للشيعة (وهو المعسكر الغربي)، ودعم كل انواع الطغاة من اجل ظلمهم وابادتهم.
وقد خاب من حمل ظلما.
