د. احمد الخاقاني ||
نعيش في هذه الأيام الأليمة ذكرى مصابنا الجلل باستشهاد الإمام السابع موسى الكاظم عليه السلام، أحد الأئمة المعصومين عليهم السلام. وحين نقرأ زيارته، تطالعنا عبارات عميقة موجعة، تكشف لنا شيئا من حجم الفاجعة، وعمق ما جرى عليه، روحي فداه.
ومن تلك العبارات:
السلام على المعذب في قعر السجون، وظلم المطامير، ذي الساق المرضوض بحلق القيود، والجنازة المنادى عليها بذل الاستخفاف.
بيان:
إن عبارة (المعذب في قعر السجون) تختزل صورة شديدة القسوة، وتشي بألم بالغ ووجع عظيم، إذ تخبرنا بأن الإمام، فضلا عن كونه سجينا في ظلم المطامير، كان يتعرض للتعذيب فوق قيد السجن ذاته. ولم تفصح الزيارة عن نوع هذا التعذيب، ولعل في ذلك دلالة مقصودة، والله أعلم، إذ ربما كان من الشناعة والوحشية بمكان لا تألفه النفوس ولا تحتمله الأسماع، وقد جرى بأمر من اللعين ابن اللعين، هارون العباسي الطاغية، فآثر الزائر أن لا يذكره رأفة بقلوب شيعته ومحبيه.
غير أن الزائر، وهو المعصوم، أشار إلى واحد من ألوان ذلك العذاب في ظلم المطامير، حين قال: “ذي الساق المرضوض بحلق القيود”، ليكشف لنا كيف أن القيود لم تكن مجرد حديد، بل أداة قهر مزقت ساقي الإمام، ورضتهما وجرحتهما، نفسي لنفس الوقى والحمى.
لقد تحمل أهل البيت عليهم السلام، عبر مسيرتهم، كل صنوف التعذيب والقهر والتشريد والقتل، دفاعا عن الدين الإسلامي، وحفاظا على بيضته وأصالته من تحريف المنتحلين، وضلال المضللين، وانحراف المنحرفين. ويؤلمك اليوم أن ترى نفرا يدعي التصدي لحفظ التشيع والشيعة، وهو عاجز عن الثبات في وجه ظلم الطغاة وطغيانهم، متذرعا بالحفاظ على نفسه، ومكاسبه، وجهته، واتجاهه، ثم يروج لخطه على أنه الحق، وما عداه أوهام وسخافات.
وكأن العيش في ظل الطواغيت، كمكون مسلوب الإرادة، مقهور السيادة، منبوذ في المجتمع، أصبح خيارا يراه البعض أيسر وأفضل من المواجهة بكل أشكالها. وهو منطق ممجوج، وسلوك سخيف، لا توصيف له إلا الجبن والخذلان، طلبا لراحة زائفة، ونوم هانئ على وسادة ريش، لا يزعجه فيه صراخ مظلوم ولا أنين مقهور.
وخلاصة القول إن الخلاص لا يكون بترك المسؤولية في الدفاع عن المذهب وأهله، بل الخلاص في عكس ذلك تماما، لأن القبر سيبقى خير حاكم لمن ولى الدبر في صراع الحق مع الباطل.
