إيمان عبد الرحمن الدشتي ||
روى لنا خيثمة الجعفي عن الإمام الباقر، غربة المؤمنين في آخر الزمان ودعاءه لهم بالخير والسعادة على صبرهم، لما يلاقونه من غفلة الناس وبُعدهم عن الإسلام الأصيل حيث قال (عليه السلام): “يا خيثمة إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً فطوبى للغرباء”
بطبيعة الناس أنهم يأنسون ببعضهم، وتنبسط أساريرهم وتطمئن نفوسهم بمن حولهم، لأن الاستئناس فطرة أودعها الله تعالى في الإنسان، يتعاظم الإحساس به كلما توثّقت الصِّلات التي تربطه بنُظرائه، كالصداقة، او الزمالة، او الجوار، او المواطنة، وأكثرها أُنساً لربما صلة الرحم والقرابة، إلا أنه بتغيّر كثير من الموازين المجتمعية في واقعنا المعاصر؛ نجد أن المؤمنين باتوا يستشعرون الاغتراب الروحي في بيئتهم -لا سيّما المرأة كونها العاطفيةُ الحنونةُ الاجتماعية- وذلك لاختلاف كثير ممن حولها مع متبنياتها، مبادئها، تفكيرها، أهدافها، سلوكها، وكذلك عقائدها؛ فهي حتى وإن كانت بنفس العنوان إلا أن فهمها وتطبيقها قد يتناقض إلى حد كبير جدا.
حيث أن الثقافات الفكرية الهوجاء التي غزت العالم عن طريق المواقع الافتراضية، فرضت نفسها على الواقع الملموس، وأخذت بالتأثير على العقل البشري حتى جرّدته من التفكير العقلائي، فصار يستهجن كل ما هو معتدل، ويقذف كل ما هو سويّ، ويُشنّع على المؤمنين ممارساتهم السلوكية الفاضلة.
قد يقول قائل إن بعض ما تتبناه المرأة المؤمنة هو الذي يفرض عليها العزلة، لأنها تتخذ طريقاً مغايراً لمجتمعها، في حين يتحتّم عليها الانصياع للأكثرية والتخلي عن بعض مُتبنّياتها كي تتكيف مع من حولها!
إلا أن غباء هذا الرأي واضح دون أدنى شك، إذ قال الله تعالى: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) (الأنعام، الآية: ١١٦) فالمظاهر غير المنضبطة لا تُقرّها الكثرة، والتجرُّد من المبادئ والقيم الإيمانية ليس حلا، إنما هو إغراق المجتمع بوحل الانحلال والتبعية الفكرية للثقافات الغربية وغيرها من الاجتهادات العقائدية المنحرفة.
إذا ما أردنا أن نفهم كنه غربة المرأة المؤمنة؛ فعلينا أولاً أن نعرف المعنى اللغوي لمفردتي “التشدد” و”التساهل” في الدين، حتى نتمكن بقدر المستطاع من رفع موانع الأُلفة والانسجام المجتمعي، من خلال تبيان حقّانية المؤمنات الملتزمات بأوامر ربِّ العزة والجلالة.
“التشدد في الدين” يعني المبالغة في فهم الدين وتجاوز الاعتدال والتيسير ثم الغلظة في التطبيق وقد يَصل إلى حدِّ التطرف والغُلوّ، بينما “التساهل في الدين” هو عكس التشدد، ويعني التراخي والتوهين ثم الاستخفاف واللامبالاة والهروب من التطبيق الصحيح، وهذا هو حال الغافلين حيث لا يعتنون بتطبيق الأحكام الشرعية على وجه الدقة، وبالطبع فإن ما بين التشدد والتساهل تكمن الوسطية والاعتدال.
إن المرأة المؤمنة هي من شَقّت طريقها بخُطى إيمانية راسخة، تجسّد فيها تطبيق الأحكام الشرعية بوسطية واعتدال وفق النهج المحمدي الأصيل، وبإطار التقوى والحشمة الفاطمية الجليلة، رافضة إذلال النفس بأهواء دنيوية تُعجل سخط الخالق، فحشمتها وسلوكها اللذان يُظهران هويتها الفاطمية الزينبية، والتي هي أقدس هوية وأسمى منهج، بدل أن يراها المجتمع قمّة بالطهارة والنقاء والالتزام بالدين القويم، وقوة بالإيمان ونفاذ البصيرة، يراها فكراً رجعياً متخلفاً بالياً لا يناسب العولمة والانفتاح الفكري، ويرى صاحبته متشدّدة في تطبيق الأحكام وذات طباع سلوكية معقدة، فيعمى عن أن يرى تقصيره باللحوق بمدارج الكمال والورع.
إن المرأة المؤمنة بهذا الواقع تتألم كثيراً، تارة لشرع الله الذي أضحى غريباً تتحاشى الناس مصاحبته، وأخرى على الغافلين أنفسهم إذ غرَّتهم الدنيا وأبدلت ثوابت دينهم، وقادتهم إلى التقصير وقد يتعدى إلى الذنوب الكبائر، فكيف للمؤمنة ألّا تعيش الغربة بينهم! وقد تخسر كثيراً من فرص السعادة والنجاح؛ كونها الأقل حظوظاً بالمعايير الوظيفية وفرص العمل وبعض الاستحقاقات والرغبات الاجتماعية في مجتمعها الغافل فتُستثنى بسبب التزامها.
إن ما يترتب علينا كمؤمنات نعيش زمن الظهور الشريف؛ هو المحافظة على نقاء ديننا، فلا نخضع للإغراءات الشيطانية، ولا نستوحش من غياب الواعز الديني للمجتمع، لأن المرأة المؤمنة بالتزامها يصدق عليها كونها منتظرة ممهدة لإمامها (عجل الله فرجه الشريف) وهي بذرة الإصلاح في المجتمع ولسانه الداعي إلى التكامل الروحي والعملي من أجل التمهيد لدولة العدل الإلهي.
