الشيخ الدكتور عبد الرضا البهادلي ||
📍منذ انتصار الثورة الإسلامية، وكثيرٌ من أنظمة الخليج، ومعها شرائح من العرب والمسلمين الذين صُنِع وعيهم على يد إعلامٍ مضلِّل وحكوماتٍ فاسدة، لا يكتفون بتمنّي سقوط إيران الإسلامية، بل يدفعون المليارات إلى أمريكا والكيان الصهيوني من أجل إسقاطها، ظنًّا منهم أن هذه الدولة طارئة على التاريخ .وهي التي امدت العالم الإسلامي بكل العلماء والمفكرين عبر تاريخها الاسلامي. وقد ورد في الحديث لو كان العلم في الثريا ناله رجال من فارس….
📍والحقيقة أن هذا الموقف لا يثير العجب؛ فسنّة التاريخ واحدة لا تتبدّل. فكل مشروعٍ إلهي واجهته قوى الفساد. الأنبياء والأولياء والصالحون جميعًا وقف في وجوههم المستكبرون، وشُنَّت عليهم حملات التشويه والاتهام. وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله خير شاهد؛ فبعد أن كان يُلقَّب بالصادق الأمين، اتُّهم بالجنون والكذب، ونُسب دينه إلى الاقتباس من الديانات الأخرى، حتى نصره الله وأظهر دعوته.
📍وفي السياق ذاته جاء قيام الإمام الخميني رضوان الله عليه؛ لم يأتِ طالب سلطة، ولا ساعيًا لملك، بل جاء حاملًا همّ الأمة، رافعًا راية الاستقلال في وجه المعسكر الأمريكي، وممدود اليد لحفظ كرامة المسلمين ونهضتهم. غير أن كثيرين بدل أن يقفوا معه، تآمروا على ثورته: تشويهًا مرة، وحربًا مرة أخرى، وحصارًا دائمًا لا ينقطع.
📍وهنا يطرح البعض سؤالًا :
لماذا لا تسقط إيران الإسلام رغم كثرة المؤامرات الداخلية والخارجية؟
فلو تعرّضت أي دولة أخرى لجزء يسير مما تعرّضت له إيران لانفرط عقدها منذ زمن بعيد.
📍والجواب أن لذلك أسبابًا متعددة، بعضها غيبي معنوي، وبعضها واقعي موضوعي.
🖍أولًا: العامل الغيبي والمعنوي
إن الكون كله بيد الله تعالى، وإذا أراد الله حفظ شيء، فإن اجتماع قوى الأرض كلها على إسقاطه لا يغيّر من الأمر شيئًا. كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾.
إن بقاء إيران الإسلامية هو تجلٍّ لإرادة إلهية؛ لأنها تحوّلت إلى أملٍ للمستضعفين والمؤمنين في العالم، سنةً وشيعة، بل لكل مظلوم يبحث عن من يقف معه بصدق.
وفلسطين شاهد حيّ: في الوقت الذي تخلّى فيه معظم العرب والمسلمين – مع أن عددهم يتجاوز المليار ونصف – عن القضية، وارتموا في أحضان أمريكا و«إسرائيل»، بقيت إيران ثابتة على موقفها، رغم الكلفة الباهظة التي دفعتها سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
🖍ثانيًا: طبيعة القيادة السياسية والأخلاقية
إن من أعظم أسباب صمود الدولة أن يقودها أولياء صالحون، لا نخب فاسدة.
فالقيادة في إيران – وعلى رأسها القائد الخامنئي – تتسم بالزهد، والبساطة، والوضوح في العيش، بعيدًا عن مظاهر الترف والفساد. وهذه ليست شعارات؛ بل حقائق يعرفها القريب والبعيد. وحين تكون القيادة نظيفة، ويشعر الشعب أن حكامه لا يسرقونه ولا يتعالون عليه، تتكوّن شرعية أخلاقية أعمق من أي شرعية انتخابية شكلية.
🖍ثالثًا: الارتباط الحقيقي بالشعب
رغم الحصار الخانق، ورغم دعم حركات المقاومة، لم تُلقِ الدولة الإيرانية بأعباء الصراع على كاهل شعبها وحده، ولم تُنشئ طبقة حاكمة تعيش في القصور بينما ينهار المجتمع.
ومن يزور إيران يرى الأسواق عامرة، والحياة مستمرة، ونِسَب الفقر – بشهادة إحصاءات دولية – أقل من مثيلاتها في دول تدّعي قيادة العالم الحر، وعلى رأسها امريكا .
🖍رابعًا: الوعي المبكر بطبيعة الصراع
الثورة الإسلامية لم تكن ساذجة؛ كانت تدرك منذ يومها الأول أنها مستهدفة.
لذلك أعدّت نفسها:
عسكريًا
أمنيًااستخباريًا
علميًا
واقتصاديًا بقدر ما تستطيع.
فلم تُفاجأ بالمؤامرات، بل استوعبتها وحيّدتها، وحوّلت كثيرًا منها إلى فرص لتعزيز الاعتماد على الذات.
🖍خامسًا: وحدة الشعب عند الخطر الخارجي . فرغم وجود فاسدين ومنافقين – كما في كل مجتمع – إلا أن الشعب الإيراني يمتلك وعيًا تاريخيًا يجعله يتجاوز خلافاته الداخلية عندما يتعرض لعدوان خارجي.
فالعدو، حين يهاجم، لا يفرّق بين إصلاحي ومحافظ، ولا بين معارض وموالٍ؛ وعندها تتوحّد الجبهة الداخلية، وتسقط رهانات الأعداء على التفكيك من الداخل.
📍واخير : إن سقوط الدول لا يكون بكثرة الأعداء، بل بفراغ القيم، وفساد القيادة، وانفصال الحاكم عن المحكوم.
وما دامت إيران الإسلامية:
متصلة بالله
منحازة للمستضعفين
يقودها مشروع لا صفقة
ويحتضنها شعب واعٍ
فإن كل ما يُنفق لإسقاطها لن يكون إلا وقودًا إضافيًا لبقائها. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولو كره الكافرون﴾
