كوثر العزاوي ||
ثمّة معيارٌ جوهريّ لا ينبغي أن نغفل عنه عند حديثنا عن سمات الشخصية السويّة، وهو ما التقت عليه الرؤى الإسلامية والدراسات النفسية معًا: أن تمتلك الشخصية موقفًا واضحًا من الحياة، ووجهةً محددة تتجه إليها، وهدفًا يوجّه حركتها ويمنح أفعالها معنى ساميًا.
ويُعَدّ غياب الهدف مؤشِّرًا على وجود خللٍ عميق، إذ يترك الإنسان تائهًا في حركة بلا بوصلة، وسعيًا بلا غاية، في الوقت الذي يتطلّب من الإنسان العاقل أن ينطلق من قاعدة فكرية أصيلة ثابتة، ويسير نحو ذلك الهدف، عبر خطٍّ مستقيم يربط المنطلق بالمآل، ليكون واعيًا برحلته الفكرية والعاطفية، مدركًا لمسار خطواته في هذه الحياة، متأمّلًا قول إمام المتقين عليّ “عليه السلام” حيث قال: “رحم الله امرَأً عرف من أين، وفي أين، وإلى أين”.
ذلك هو السعي الذي يُفضي إلى نقطة الوصول الآمنة، حينما يكون المبتغى رضا الله، والقرب منه.
أمّا إذا فقَدَ الإنسان هذا الإتساق بين المنطلق والغاية، يتحوّل من كائنٍ فاعل إلى أداةٍ قابلة للتشكيل والتنوّع يسهل توجيهها، والأنكى أن تكون أداة بيد الظالم، وقد يتاح استثمارها في غير ما خُلقت له.
فالعقل الذي لا تحكمه بوصلة عادلة، والقلب الذي لا يسكنه هدف، يكونان أرضًا خصبة لتقبّل الزائف، ومطيّة لتصدير التافه، ومنح اللاشيء مقدارًا بلا استحقاق.
من هنا ومع انحراف البوصلة تبدأ مخاطر التواء حركة الإنسان وانعطافاتها، فيُستبدَل السعي السويّ بسعيٍ إلى الأوهام، وتنعطف الشخصية السويّة عن جادة الصواب، فبدلًا من قياس الأشياء بميزان الحق، يصبح القياس ةبسطوة الصوت وبريق الظاهر، وهو ما لاينسجم مع أصحاب الغايات السامية والمقاصد النبيلة.
لذا فإن بناء الشخصية السويّة ليس شأنًا فرديًا وحسب، بل هو حاجة اجتماعية وضرورة أخلاقية، من شأنها تأسيس مجتمعًا لاتبهره المظاهر بسهولة، ولا تُسوقه التهويلات صوب الشبهات، ولا يخلط بين الحق والباطل، ولا بين الشهرة والقيم العليا، مجتمعًا يتخذ من التقوى ورضا الله معياره الأعلى، فيزِن به الأشخاص والمواقف، فلا يرفع إلّا من يستحق الرفعة، ولا يمنح ولاءَه إلّا لما ينسجم مع الحق والعدل.
فالشخصية السويّة هي التي تقود نحو الاعتدال، وتؤسس إلى مجتمع يسعى إلى التطور ومواجهة الواقع مع التوازن بين الجوانب الروحية والجسدية، والحفاظ على القيم الإنسانية، من خلال الالتزام بقوانين السماء والنهج القويم لمحمد وآله عليهم السلام.
