رأفت الياسر ||
في كلّ مرة يطرح الإمام القائد السيد علي الخامنئي مصطلحًا، أو يحدّد خطوة، أو يرسم مرحلة من مراحل الصراع مع الاستكبار، يتقدّم السطحيّون والبسطاء لتفريغ هذه المفاهيم من مضمونها، وسحقها تحت وطأة الابتذال، وتحويلها إلى عناوين مستهلكة تُقدَّم علفًا للمحطّات والمواقع. عندما تحدّث عن أهميّة الحرب الناعمة، انشغل البعض بتأسيس مسمّيات تحمل هذا العنوان، لا أكثر.
تنظيمات عريضة طويلة بلا روح، وبلا وظيفة، وبلا أثر. وهذا بالضبط ما يسرّ العدو، لأنّه يُبقيك أسير دائرة الشعارات، بعيدًا عن أي تخطيط حقيقي للمواجهة. وعندما طُرح مفهوم جهاد التبيين، أُنشئت مؤسّسات وخُطَب ومهرجانات تشرح المصطلح…
وتُعيد شرحه… وتُعيد شرح شرحه. وحتى حين وُضعت “خطط”، كانت في جوهرها خطط صراخ ولعن وانفعال، لا تبيين فيها إلا التبن. اليوم، يعيش الشيعة مرحلة شديدة الحساسيّة: مرحلة حفظ المكتسبات التي تحقّقت خلال السنوات الماضية. فبعد أن تحوّلوا إلى وجود مؤثّر إقليميًا ودوليًا، وإلى محور اهتمام إعلامي وسياسي، لم يعودوا ذلك المكوّن المُهمَل أو غير المرئي كما في السابق.
وهذا التحوّل البسيط في ميزان التأثير يعني شيئًا واحدًا فقط: الاستكبار سيتحالف مع الجنّ والإنس لتشويه الشيعة، ولإعادة إنتاجهم كوجود همجي كريه، تمامًا كما فُعِل سابقًا مع عموم المسلمين تحت عنوان الإسلاموفوبيا. المفارقة المؤلمة أنّ معركة التبيين يمكن خوضها دون أن تُراق قطرة دم واحدة، ودون أن تُطلق رصاصة واحدة.
معركة منخفضة الكلفة، عالية العائد، لو أُديرت بعقل بارد واستراتيجية واعية. لكن “هيهات”. معظم منابرنا اليوم ليست منابر تبيين، بل منابر تعريف برموز حزبيّة، أو ساحات لتسقيط بعضنا بعضًا. منابر أضعف من أن تتحمّل عبء هذا الدور التاريخي، وأقرب إلى الاستهلاك الداخلي منها إلى الاشتباك الذكي مع الخارج.
ومن هنا يفرض السؤال نفسه، بصراحة لا تحتمل المجاملة: لماذا لم تُؤسَّس في العراق، حتى الآن، جبهة حقيقيّة لجهاد التبيين؟ جبهة لا تلتفّ حول المصطلح ولا تروّج لأشخاص ، ولا تتاجر بالعنوان، بل تمارس المفهوم كما هو: وعيًا، وتخطيطًا، وأداءً، واشتباكًا ذكيًا مع معركة الصورة والرواية والمعنى.
