قاسم الغراوي ||
لا تُهزم الدول دائماً عند حدودها، ولا يبدأ سقوطها بالضرورة من انهيار مؤسساتها العسكرية أو الاقتصادية، بل غالباً ما تكون الهزيمة الأخطر تلك التي تقع في عمق المجتمع، حين تتآكل منظومته القيمية وتضطرب هويته الجامعة.
فالدولة التي تفقد قيمها، تفقد مبررات بقائها، وتتحول إلى كيان هشّ، قابل للاختراق وسريع الانهيار.
في هذا الإطار، يواجه العراق اليوم واحدة من أكثر معاركه تعقيداً وخطورة هي “معركة القيم والهوية”.
فمنذ سنوات، يتعرّض المجتمع العراقي لتحولات ثقافية متسارعة، لم تكن نتاج تطور طبيعي أو تفاعل حضاري متوازن، بل نتيجة انفتاح فوضوي رافق ضعف الدولة، وغياب المشروع الثقافي الوطني، وتراجع دور المؤسسات التربوية والإعلامية في ضبط الاتجاه العام للمجتمع.
لقد فتحت مرحلة ما بعد 2003 الباب واسعاً أمام تدفّق أنماط سلوكية وأفكار مستوردة، قُدِّمت بوصفها رموزاً للتقدّم والحداثة، دون مراعاة للسياق الاجتماعي والأخلاقي العراقي.
ومع مرور الوقت، لم يعد التأثير مقتصراً على المظاهر، بل امتد ليطال بنية القيم ذاتها، فاختلّ ميزان الأسرة، وتراجعت مفاهيم التضامن والمسؤولية، وأُعيد تعريف الحرية بصورة منفصلة عن الواجب الأخلاقي والانتماء الجمعي.
الخطورة هنا لا تكمن في التعرّف على ثقافات أخرى، فذلك حق إنساني ومسار طبيعي للتطور، بل في فقدان القدرة على النقد والتمييز.
فحين تُستورد نماذج ثقافية جاهزة من بيئات مختلفة، وتُفرض عبر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل، تتحول الثقافة إلى أداة اختراق ناعم، تعيد تشكيل الوعي والسلوك، خصوصاً لدى فئة الشباب، بعيداً عن المرجعيات الوطنية والقيمية.
هذا التحول القيمي ترك أثره الواضح على علاقة الفرد بالدولة. فضعف الهوية الوطنية الجامعة، وتآكل الشعور بالانتماء، جعلا الدفاع عن الدولة مسألة ثانوية، بل أحياناً موضع شك.
وعندما يفقد المواطن إحساسه بأن الدولة تمثّله قيمياً وأخلاقياً، يصبح أكثر قابلية للانسحاب، أو اللامبالاة، أو الارتهان لمشاريع فرعية وعابرة للحدود.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الأزمة القيمية عن مسؤولية الدولة. فالحكومات العراقية المتعاقبة انشغلت بإدارة الصراعات السياسية والأمنية، وأهملت بناء سياسة ثقافية وطنية واضحة، قادرة على تحصين المجتمع دون مصادرة الحريات. إن حماية القيم لا تعني الانغلاق أو القمع، بل تعني تعزيز المناعة الداخلية للمجتمع، عبر تعليم واعٍ، وإعلام مسؤول، ودعم مؤسسات ثقافية ودينية تؤدي دورها التنويري بعيداً عن التسييس.
إن معركة القيم في العراق هي معركة سيادة بقدر ما هي معركة هوية.
فالدول لا تسقط فقط حين تُكسر جيوشها، بل حين يُفرَّغ مجتمعها من معاييره الأخلاقية، ويُعاد تشكيل وعيه بما يخدم مصالح خارجية.
وفي عالم اليوم، لم تعد الحروب تُخاض بالسلاح وحده، بل بالعقول، وبما يُزرع فيها من تصورات وسلوكيات.
ختاماً، إذا كان العراق يريد أن يحمي دولته، فعليه أولاً أن يحمي مجتمعه. فالقيم ليست ترفاً فكرياً، ولا خطاباً أخلاقياً معزولاً، بل هي خط الدفاع الأول عن الأوطان.
ومن دون استعادة هذا الوعي، ستبقى الدولة قوية في الشكل، ضعيفة في الجوهر، ومعرّضة للهزيمة من الداخل.
فليست النجاة دائماً في الصدام، بل في البصيرة والوعي، والوقوف عند الشبهات، حيث لا يُستغلّ الإنسان ولا يُساق.
