ناجي علي أمهز ||
لا أستطيع الهروب من الأسئلة الملحة حول مآلات الوضع في إيران؛ وهذا أمرٌ يسعدني، وكأن عقلي يبتهج بقدرته على شق طريق الحقيقة وسط ضجيج يصمتُ احتراماً عند مروره.
أكتبُ اليوم لأقول للبعض: “لا تبيعوا جلد الدب قبل قتله”، فالسواد الأعظم من الساسة العرب يعيشون اليوم على “التبصير”، بينما حلفاء إيران يصرخون “الموت للأعداء” بعقول معطلة. وفي كلتا الحالتين، لا أحد يلامس جدران الحقيقة أو يدرك أبعادها.
قد تتفاجأون عندما أخبركم أن ما تشهده إيران اليوم (11 كانون الثاني 2026)، كنتُ قد شرحتُ أبعاده وأدواته في نفس هذا التاريخ تقريباً، ولكن قبل سنوات. فالتاريخ في صراع القوى العظمى يكرر نفسه كخوارزمية رياضية ثابتة. سأعيد عليكم ما نشر في 9 – 1 – 2018 تحت عنوان: “سر رسالة الـ CIA إلى ترامب وماذا أراد من تظاهرات إيران”، لتدركوا أن “اللاعب” واحد والهدف لم يتغير.
“تساءلتُ حينها: ما سر هذا الهدوء في محور الثورة؟ وهل وصلت رسالة ترامب (عبر بوتين) بأنه مستعد لتمزيق الاتفاق النووي وتدمير المنطقة إذا تم تجاوز الخطوط الحمراء؟
لقد بقيت هواجس “إيران الثورة” تؤرق ترامب وإسرائيل، مما دفعهم للطلب من (منظمة خلق) افتعال أزمة لخلق فوضى تربك القيادة. علينا أن نصدق أن قيادات في الـ CIA حذرت ترامب من العبث مع إيران، تماماً كما حذر أرسطو تلميذه إسكندر المقدوني من الاعتداء على الشعب الفارسي، وكما عاش ريغان (فوبيا) عظمة الإمام الخميني التي نقلها له الفرنسيون انه يمتلك قوة روحية خارقة.
ترامب أراد حينها أن يفهم: ما مقدار إصرار طهران على مشروعها؟ قال ترامب في سره: (سواء نجحنا أو فشلنا في تحريك الشارع، فإن كافة الأوراق السياسية التي تخفيها إيران ستُكشف، وحينها سنقرر هل نكمل مشروعنا أم نتريث).
هي نظرية (جس نبض) استراتيجية؛ فإذا انشغلت إيران بالداخل وتراجعت عن ملفات المنطقة، سيقرأ ترامب ذلك كضوء أخضر لعودة المياه إلى مجاريها كما كانت قبل عام 1979. لكن الجمهورية الإسلامية نجحت حينها في استيعاب الشارع بحكمة، وأعادت الرسالة لترامب بجواب المواجهة، مما أفقد الرجل صوابه وجعله يهرع لمجلس الأمن.”
واليوم نفس الشيء امريكا تراقب وان كان يساعدها الذكاء الاصطناعي لكن الهدف واحد، وهو ان الغرب برمته يريد ان تكون ايران معه، من اجل الانتهاء من روسيا واستقرار اسرائيل واعادة الصين الى الحظيرة الامريكية، لانه بحال تحكمت امريكا بنفط ايران ستكون الصين مضطرة للخضوع للشروط الامريكية من اجل حصولها على النفط.
لكن للاسف هل روسيا تفهم هذا الامر، لا اعتقد؟، روسيا تعيش هاجس ارضاء الامريكي وتنتظر منه ان يمنحها السلام والاستقرار، والا ما كنت قبلت بما يحصل في سوريا حتى لو كانت هي ستقتلع الاسد قبل الامريكيين.
كما ان الصين ليست دولة هجومية لذلك لن تدخل في اي مواجهة للدفاع عن ايران ولا حتى بموقف في مجلس الامن، او ارسال بعض الدولارات بدل ان تشتري بهم سندات خزينة لارضاء امريكا.
بالختام ايران هي من يقرر اين ستكون بعيدا عن ضجيج الشوارع فيها.
لماذا أستحضر هذا المقال اليوم؟
لأن ما يحصل الآن في مدن إيران هو الفصل الأحدث من نفس المسرحية. النظام العالمي يعيد استخدام “اختبار الشارع” ليرى إن كانت ضربات صيف 2025 وسقوط حلفاء إقليميين قد أوهنت “عصب القرار” في طهران. الفرق الوحيد بين 2018 و2026، هو أن الذي كان يحمي المنطقة (السيد نصر الله) قد ارتفع، وأن الضغط اليوم هو “ضغط انفجاري”. لكن العقل الذي أدار أزمة 2018 لا يزال هو نفسه الذي يدير أزمة اليوم.
الخلاصة:
لستُ أنا من يصيغ السياسة، كما لست “مفتحاً بين عميان”. الأمر الوحيد هو أنني أقرأ السياسة كما يقرأ المكفوفون بطريقة “برايل”؛ أتلمس النقاط البارزة والحروف الناتئة على ورق الأحداث بأطراف أصابع الفكر، فأفكّ شفرات الرموز والأرقام التي تتيح لي قراءة المشهد بدقة متناهية بينما يكتفي الآخرون بالنظر إلى القشور.
إن إيران ليست “ساحة” تسقط ببيان أو تظاهرة، إنها “إمبراطورية عقل” تقارع أعظم قوة في العالم. ومن يظن أن الفوضى الحالية هي النهاية، فهو لم يقرأ تاريخ الإمبراطورية الفارسية التي أسسها “قورش الكبير” عام 550 قبل الميلاد كأول إمبراطورية عالمية. هو لم يفهم بعد أن الصراع مع إيران هو صراع “أدمغة” لا صراع “شوارع”.
لذلك طالبت اعلام المحور ان يخرج من هذه المعركة لان اعلام صبية بشار الاسد رغم فشلهم بتحويل بشار الاسد الى نجم الاعلام بينما صورة بالكلسون جعلته الاشهر عالميا. ولا يمكنهم ان يسلكوا بسخافتهم وتحليلاتهم، خطوة واحدة مع شعب ترجم كتاب كليلة ودمنة والا سيكون هؤلاء ككقرود في قصة صراع الاباطرة.
ايران ليست دولة عربية تسقطها الفوضى، أنها إمبراطورية ذات دماء ولغة واحدة وقومية صلبة؛ حتى يهود إيران ومسيحيوها هم “إيرانيون” أولاً، فالقومية هناك تسبق الدين بآلاف السنين.
انتظروا قليلاً، فإيران التي كبحت جماح ترامب في ولايته الأولى، تعرف جيداً كيف تدير اللعبة في ولايته الثانية.. والتاريخ لن يرحم المتبصرين الذين يضربون “الرمل” في زمن تُضرب فيه الصواريخ العابرة للقارات.
