جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

 


عدنان عبد الله الجنيد ||


وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} – زوال الكيان الصهيوني بين صحوة الأمة وخداع تصوّر الوعد الإلهي.

مقدمة: حين تتهاوى أوهام القوة:

لم يعد العالم يقف على أرض صلبة. الموازين المادية التي حكمت قرناً من الاستكبار تتصدع من أعماقها، ليشرق من قلب ركام اليأس نور الحقائق القرآنية.

إنها ليست مواعظ عاطفية، بل قوانين حركة للتاريخ، أعاد صياغة فهمها بوعي استثنائي سماحة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله) في محاضرته الرمضانية التاسعة. محاضرة لا تواسي العواطف، بل تعيد ضبط البوصلة، وتكشف أن زوال الكيان الصهيوني حتمية سننية، وأن توقيت هذه الحتمية مُعلَّق باستيقاظ الأمة.

أسئلة الوعي: تشخيص الداء قبل الدواء:

قبل الغوص في التحليل، ثمَّة أسئلة تفرض نفسها على طاولة الضمير الإنساني، أسئلة تبحث عن خلاص:

كيف وصلت الأمة إلى هذا الوهن، ولماذا استكانت لسطوة “الفوبيا” المادية؟

لماذا يُصرُّ البعض على التعامل مع الوعود الإلهية وكأنها “معلبات فكرية” منتهية الصلاحية، تجاوزها الزمن وتخلى عنها الواقع؟

ما قيمة بيانات “رفع العتب” العربية التي تولد ميتة، لا تُسمن ولا تُغني من جوع، بينما الشعوب تُذبح بدم بارد؟

كيف تُشرعن أنظمة “التطبيع” خيانتها بالمال والدعم، لكيان لا يرى في بقية البشر إلا “حيوانات بأشكال آدمية”؟

هل الزمن المتبقي لعمر الكيان الإسرائيلي مرتبط بعلاقة طردية مع صحوة الأمة؟

وأخيراً.. ما هذه الوحشية التي ترى البشر “مواد خام”، فتتاجر بالجلود والأعضاء وكأنهم قطعان في مسلخ؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً؛ إنها مفاتيح التشخيص. وقد قدم السيد القائد إجاباتها من القرآن، ومن قصة نبي الله موسى عليه السلام، باعتبارها نموذجاً متجدّداً لهزيمة الطغيان في كل زمان.

أولاً: الوعد الإلهي سنَّة جارية.. لا “مُعلَّب” منتهي الصلاحية:

أخطر ما ابتليت به الأمة ليس ضعف إمكانياتها، بل جهلها بسنن الله، وتعاملها مع وعوده وكأنها نظريات انتهى زمن صلاحيتها.

يقول السيد القائد مدافعاً عن قدسية هذه السنن: “إن الوعود الإلهية ليست معلبات غذائية لها تاريخ انتهاء صلاحية”. فالوعد الإلهي ليس شعاراً تاريخياً، بل قانون كوني جارٍ: {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا} [الإسراء:8].

كلما عاد العدو الصهيوني إلى علوه واستكباره وإفساده في الأرض، كلما عاد الله بالتسليط عليه وتقويض كيانه. إن الطغيان الصهيوني اليوم، بجرائمه وبِنك جلوده ونظرته التلمودية العنصرية التي تحتقر الإنسان، لا يكتب بيده تفوّقه، بل يُسرِّع نهايته بيده.

الخوف من الطاغوت ثمرة الجهل بالله. واليقين بزواله ثمرة المعرفة به.

ثانياً: الزوال حتمي.. لكن التوقيت بأيدينا:

نعم، زوال الكيان الصهيوني حتمية قرآنية لا ريب فيها. لكن السؤال الجوهري: هل موقف الأمة له علاقة بزمن هذا الزوال؟

الإجابة: علاقة طردية بامتياز!

إيمان + تحرك عملي + أخذ بالأسباب = تقصير الطريق وتقليل الأثمان.

· تطبيع + تخاذل + رهان على السراب = إطالة الظلم وتعظيم الفاتورة.

في تشخيص عبقري، يؤكد السيد القائد أن زوال الكيان “حتمية”، ولكن زمن الزوال وكلفته يقعان في دائرة الاختيار البشري.

كلما ارتفع منسوب الاستجابة العملية، تقاصرت سنوات المعاناة وانخفضت فاتورة الدماء.

“فتقليل المدَّة، وتقليل الأثمان، أو تطويل المدَّة، وتعظيم الأثمان؛ يتعلق هذا كله بموقف الأمة.”

إن الدماء التي تُسفك اليوم هي ثمن موقف خاطئ. وحين تصحو الأمة، يقترب النصر.

ثالثاً: العدو ليس لغزاً.. إنه “وحش” يملك بنك جلود:

يضرب السيد القائد على وتر غفلت عنه النخب والمحللون: كشف حقيقة العدو النفسية والإجرامية. فالعدو الإسرائيليس خصماً سياسياً يمكن التفاهم معه، وليس كياناً طبيعياً يمكن التعايش إلى جانبه. إنه مشروع إجرامي بامتياز:

· نفسية حاقدة خبيثة، متجردة من كل القيم الإنسانية.

· يفتخر بامتلاك “أكبر بنك للجلود في العالم” من ضحاياه الفلسطينيين.

· يتاجر بأعضاء البشر (القلوب، الأكباد، الكلى) وكأنهم مواد خام.

· ينظر إلينا بعقيدته التلمودية كـ “حيوانات بأشكال آدمية” لا يستحقون الحياة.

هذه ليست دعاية، هذه تصريحاتهم وثقافتهم وممارساتهم. فكيف لأنظمة عربية أن توقع مع هذا الكيان اتفاقيات تطبيع؟ وكيف تقدم له المال والسلاح ثم تتلو بيانات إدانة للاستهلاك المحلي؟

بيانات “لا تسمن ولا تغني من جوع”، تصدرها أربع عشرة دولة عربية، وفي المقابل يوطدون العلاقات على كل المستويات! هذا هو التناقض الفاضح الذي وصفه القرآن: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص:13].

رابعاً: موسى عليه السلام.. “الصنعة على عين الله” وصناعة النصر:

يقدم السيد القائد العلاج من قصة نبي الله موسى عليه السلام، ليُخرج لنا نموذجاً حياً لبناء الشخصية الرسالية القادرة على مواجهة الطغيان:

١- الرعاية النفسية والإيمانية (الربط على القلوب):

{لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [القصص:10].

الخسارة الكبرى ليست في فقدان الولد، بل في فقدان الإيمان. الخطورة لا تكمن في قوة العدو، بل في فراغ الأفئدة. فمن خسر إيمانه بالوعد، سقط صريعاً أمام بروباغندا الاستكبار.

٢- الصنعة على عين الله:

{وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي} [طه:39].

نشأ موسى في قصر الطاغية، لكنه كان يُصنع على عين الله. نبتت عزة روحه في قلب عرش الفرعون، فلم ينشأ مترفاً بطراً، وكان بمنأى عن الإذلال، وفي نفس الوقت يدرك واقع قومه ويشعر بمظلوميتهم. هذه النشأة أعطته مناعة نفسية لا تخترق.

٣- الإحسان يُجزى حكماً وعلماً:

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَىٰ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [القصص:14].

إعداد متكامل لقائد يحمل هم المستضعفين.

هكذا تُبنى الشخصيات التي تُسقط الطغيان. وهكذا تُصنع النصر.

الرؤية الكبرى:

الرهان على السنن الإلهية، وتصحيح العلاقة مع القرآن، والتحرك الواعي على أساس اليقين بوعد الله {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص:7]، هو المخرج الوحيد للأمة.

الطغيان إلى زوال، مهما بلغت قوته. الإمبراطوريات سقطت، والفراعنة ذهبوا، وبقي وعد الله حقاً. لكن توقيت النصر وكلفته مرتبطان باستجابة الأمة.

نداء إلى الشعوب الحرة والمستضعفة:

أيها الأحرار في كل مكان.. أيهاالمستضعفون والمحرومون والمظلومون..

لقد وضع السيد القائد خارطة الطريق للخلاص، ووضع أيديكم على المخرج.

إنها العودة إلى “كنف الرعاية الإلهية” من خلال التحرك الجاد والوعي القرآني النافذ. المخرج ليس في أروقة الأمم المتحدة، ولا في قمم التطبيع، ولا في بيانات لا تسمن ولا تغني من جوع، بل في “الربط على القلوب” والنزول إلى ميادين العزة والكرامة.

في قصة موسى عليه السلام عبرة: النشأة الآمنة، والربط على القلب، والإعداد الإلهي، ثم النصر المبين. الطريق واضحة ومبينة.

إن زوال الاستكبار ليس “نبوءة غيبية” ننتظرها ونحن جلوس، بل هي “واقع نصنعه” باستجابتنا لقوله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].

الطريق واضحة، والميقات اقترب، ومن يثق بالله لا يعرف اليأس سبيلاً إلى قلبه.

إنها قادمة.. فاستعدوا.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال