السيد بلال وهبي ||
📢 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: “مَنْ أَعْطَى غَيْرَ الحُقُوقِ قَصَّرَ عَنِ الحُقُوقِ”
كرمُ الإنسان ونُبْلُه لا يقاسان بكم يعطي، بل بكم يؤدي ما عليه من واجب، لأن العطاء ولو كان كثيرًا، لا يتقدم على أداء الواجب ولو كان قليلًا، فترك العطاء ليس عليه مؤاخَذَة، لأنه فضلٌ وحسب، بينما ترك أداء الواجب من الحقوق ظلم وخيانة.
إن إعطاء غير الحقوق مفهوم عام يعُمُّ الكثير من المصاديق المادية والمعنوية، ويتمظهر في الكثير من الممارسات اليومية التي تصدر منا، كأن يُصلِّي النافلة ويترك الصلاة الواجبة، يقوم إلى صلاة الليل وينام عن صلاة الصبح، أو يُكثر من الصدقات والتبرُّعات، ولكنه لا يؤدّي فريضتي الخمس والزكاة، فهو يختار المستحبَّ على الواجب، فيؤدي ما ليس واجبًا عليه، فيقصِّر فيما يجب.
فالإمام أمير المؤمنين (ع): يقرِّر مبدءًا شرعيًا مهمًا وهو ضرورة التزام المرء بإعطاء الحق، وإعطاء ذلك الأولوية المطلقة، وتقديمه في الأهمية على كل عطاء غير واجب، لأن الحق الواجب مسؤول عنه أمام صاحبه وأمام الله، أما غير الواجب فلا يُسأل عنه.
والحقوق في سياق كلام الإمام (ع) هي الواجبات الشرعية: كالزكاة، والخمس، وردِّ المظالم، والنفقة على الزوجة والعيال والوالدين، والأُجَراء والعُمَّال، وكل من له حق مالي أو أخلاقي، كالعدل، والوفاء، وأداء الأمانة، وحِفظ السُّمعة والكرامة، فالحقوق هي ما ثبت وجوبه بعقدٍ بينك وبين طرف ثانٍ أو أطراف، أو ما نصَّت عليه الشريعة، أو ما قضى به عُرف أقرَّته الشريعة.
إن إعطاء هذه الحقوق واجب، وعدم إعطائها يستلزم المؤاخذة والعقوبة، ولا يخرج الإنسان من رِبقتها ما دام لم يؤدها، ولا تبرأ ذمته ولا تسقط عنه إلا أن يسقطها صاحبها، ولصاحبها الحق أن يطالب بها في الدنيا وفي الآخرة.
فلو أعطيتَ إنسانًا ما شِئْتَ من العطاء ولم تعطه حقه الثابت، فقد قصَّرت ويبقى حقُّه ثابتًا، وتبقى ذمَّتك مشغولة به.
هذه الجوهرة الكريمة تنبهنا إلى أن الإنسان قد يكون محسنًا في الظاهر، يوزع عطاياه على هذا وذاك، ولكنه في حقيقة أمره مقصِّر في إعطاء الحق لأهل الحق، تراه يتصدَّق عَلَنًا، ويُطعِمُ الطعام، ويبني المساجد والحسينيات، ويقيم المجالس الحسينية، ولكنه في ذات الوقت يضيِّع حق زوجته، أو أجر عامله، أو حقَّ من له حق عليه.
ومِمّا لا شَكَّ فيه أن الواجب مقدَّم في الأهمية والأولوية والثبوت على غير الواجب، والتقصير في أداء الواجب ظلم، فمن يعطي غير الحق، لا بد أن يقصر في إعطاء الحق، وإن بدا أنه يعطي الكثير في وجوه البِرِّ والإحسان، لأن المال مهما كُثَر فهو محدود، والمحدود لا يمكنه أن يستوعب كل شيء، فلا بد من إعطاء الحق أولاً، يليه ما يتبرَّع به، فلو صُرِف في غير موضعه، لم يَقْدِر صاحبه أن يؤدي الواجب عليه، فالخير ليس في كثرة العطاء، بل في أن يكون العطاء حيث يجب ولو كان قليلاً.
