طه حسن الأركوازي ||
في المراحل المفصلية التي تعيشها الدول ، يتقدم النقاش حول طبيعة الحُكم ، وأدوات إدارته إلى صدارة المشهد العام ، إذ لا يعود السؤال محصوراً في هوية القائد بقدر ما يتسع ليشمل طبيعة البيئة المؤسسية التي ستحدد فعالية أي قيادة ، وفي حالة العراق يكتسب هذا النقاش حساسية خاصة ، لأن مسار الدولة خلال العقود الماضية كشف أن تبدل الوجوه لم يكن كافياً لإحداث التحول المنشود ما لم يترافق مع إعادة ضبط قواعد العمل السياسي والإداري .
لقد أظهرت التجربة أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في نقص الكفاءات أو غياب الخيارات القيادية ، بل في البنية التي تُدار من خلالها عملية أتخاذ القرار ، فالتبدلات السياسية المُتعاقبة غالباً ما حدثت ضمن إطار مُؤسسي لم يشهد تحولاً موازياً في آلياته ، الأمر الذي جعل كثيراً من التغييرات تبدو وكأنها أنتقال في الشكل أكثر منها تحولاً في الجوهر ، ومن هنا نشأ ذلك الشعور العام بأن مسار الدولة يتحرك في نطاق التكيف مع الأزمات أكثر مما يتجه نحو تجاوزها .
وعند النظر إلى النقاشات التي ترافق كُل أستحقاق سياسي ، يتبين أنها غالباً ما تنشغل بمواصفات القيادة المُرتقبة ، من حيث الخلفية المهنية أو القدرة على تحقيق التوازنات ، وكأن المسألة تتعلق بإيجاد شخصية جامعة قادرة على إدارة التعقيد القائم.؟
غير أن هذه المُقاربة رغم مشروعيتها تظل غير مُكتملة ما لم تُربط بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة المنظومة التي ستعمل ضمنها القيادة ، لأن فعالية أي موقع تنفيذي لا تُقاس بخصائص شاغله فحسب ، بل بمدى اتساق البيئة المؤسسية التي تحيط به.
ويمكن قراءة جانب مهم من هذا التعقيد من خلال طبيعة العلاقة بين الصلاحيات الرسمية وآليات العمل الفعلية ، حيث تبدو عملية أتخاذ القرار في كثير من الأحيان محكومة بتوازنات دقيقة تتجاوز حدود النصوص القانونية ،
ففي السياق العراقي ، تعمل منظومة الحكم ضمن شبكة من الاعتبارات السياسية والإدارية التي تجعل مساحة الحركة المتاحة للمسؤول مهما كان موقعه ، مرتبطة بمنطق التوافق أكثر من أرتباطها بمطلق الصلاحيات ، هذه البيئة وإن كانت تهدف إلى منع تضارب المصالح داخل البنية الحاكمة ، إلا أنها تفرز عملياً قيوداً غير مُباشرة تحد من قدرة المسؤولين على أتخاذ قرارات حاسمة أو تبني مسارات إصلاحية واسعة من دون تفاهمات مُسبقة ، وهو ما ينعكس على وتيرة الأداء العام ويجعل الإنجاز رهين التوازنات بقدر ما هو رهين الكفاءة .
هذا الواقع لا يعني غياب الإرادة أو ضعف القُدرات الفردية ، بل يشير إلى أن القرار العام غالباً ما يكون نتاج تفاعل مُعقد بين عوامل مُتعددة ، حيث تتقدم الاعتبارات التوافقية على منطق المُبادرة ، فتتحول الصلاحيات من أدوات تغيير إلى أُطر تنظيمية تضبط الإيقاع أكثر مما تدفعه نحو التحول السريع ، ومن هنا يمكن فهم التفاوت بين الإمكانات المُتاحة للدولة والنتائج المُتحققة على أرض الواقع ، إذ إن المُشكلة لا تكمن في الموارد أو في الطاقات البشرية بقدر ما تكمن في آليات توظيفها ضمن رؤية مُستقرة .
ومن زاوية تحليلية أوسع ، يتبين أن مسار الدولة لم يكن يفتقر إلى محاولات الإصلاح ، لكنه كان يواجه تحدياً بنيوياً يتمثل في صعوبة الانتقال من إدارة المرحلة إلى بناء منظومة طويلة الأمد ، فالإدارة المؤقتة ، مهما حققت من أستقرار نسبي لكنها لا تستطيع أن تنتج تحولاً هيكلياً ما لم تتحول إلى مشروع مُؤسسي يربط التخطيط بالتنفيذ ضمن إطار زمني واضح ، وهذا ما يفسر أستمرار الفجوة بين التوقعات المُجتمعية ، وقدرة الدولة على الاستجابة وهي فجوة تتكرر في كثير من الدول التي تمر بمرحلة إعادة بناء سياسي .
في هذا السياق ، تبدو مسألة القيادة جُزءاً من مُعادلة أشمل تتعلق بإعادة تعريف وظيفة السلطة نفسها ، بحيث يصبح المنصب أداة لتنفيذ رؤية مُؤسسية لا مُجرد موقع لإدارة التوازنات ، فالدول التي أستطاعت تحقيق الاستقرار لم تفعل ذلك عبر البحث عن القائد المثالي ، بل عبر بناء قواعد عمل واضحة تضمن أستمرارية السياسات بغض النظر عن تغير الأشخاص ، وهو ما يمنح الدولة قُدرة أكبر على التكيف مع التحولات الداخلية والإقليمية .
إن المشهد الإقليمي ، بما يحمله من تحولات مُتسارعة ، يفرض بدوره ضرورة تعزيز هذا الاتجاه ، لأن قوة الدول في مثل هذه البيئات لا تُقاس فقط بحجم مواردها ، بل بقدرتها على أتخاذ قرارات مُتماسكة ومُستقرة ، وهذا يتطلب بيئة مؤسسية تمنح القيادة مساحة كافية للتحرك ضمن إطار قانوني واضح ، وتعيد التوازن بين مُتطلبات التوافق السياسي وضرورات الفاعلية التنفيذية .
ومن منظور أستشرافي ، تبدو الفرصة قائمة لإعادة توجيه النقاش العام نحو بناء الإطار الذي يمكّن أي قيادة من العمل بفاعلية ، بدلاً من التركيز الحصري على هوية القائد ، فحين تصبح القواعد المؤسسية هي المرجعية الأساسية ، يتحول تغيير الحكومات إلى عملية طبيعية ضمن دورة سياسية صحية ، لا إلى لحظة مفصلية تُعلق عليها آمال التحول الكامل .
أخيراً وليس آخراً .. لا يُمكن فهم إشكالية القيادة بمعزل عن طبيعة البُنية التي تعمل ضمنها ، لأن ثبات القواعد هو العامل الحاسم في تحديد نتائج أي تغيير سياسي ، وعندما تنجح الدولة في ترسيخ منظومة قرار مُتماسكة تربط الصلاحية بالمسؤولية ضمن إطار مؤسسي واضح ، يتحول التغيير من مصدر قلق إلى أداة تطوير ، وتصبح القيادة جُزءاً من عملية تراكمية تصنع الاستقرار على المدى الطويل .
إن بناء هذا المسار لا يتطلب حلولاً أستثنائية بقدر ما يتطلب وضوحاً في الرؤية وثباتاً في القواعد ، لأن الدولة التي تنجح في جعل مُؤسساتها هي الضامن الأول للاستقرار ، وتمنح قياداتها القدرة على الإنجاز ، وتمنح مُجتمعها الثقة بأن مسارها لا يرتبط بالأفراد بقدر ما يرتبط بقوة النظام الذي يحتضنهم …!
